بقلم: أحمد الحمداني
في عالم العلاقات الدولية لا تتحرك القوى الكبرى بدافع الصدفة ولا ترسل مبعوثين استثنائيين إلى دولة ما لم تكن تلك الدولة على مفترق طرق تاريخي ومن هنا يمكن قراءة الحضور المتصاعد للمبعوث الأمريكي توم باراك مع بغداد ليس بوصفه نشاطاً دبلوماسياً عادياً بل باعتباره جزءاً من مشروع أمريكي لإعادة رسم توازنات المنطقة يبدأ من العراق ولا ينتهي عند حدوده.
العراق اليوم ليس مجرد دولة نفطية أو ساحة نفوذ تقليدية بل أصبح نقطة الارتكاز الرئيسية في الصراع بين واشنطن وطهران بعد المتغيرات الكبرى التي شهدتها المنطقة فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي تغيير حقيقي في الشرق الأوسط لن ينجح دون إعادة ترتيب المشهد العراقي فيما ترى إيران أن خسارة نفوذها في بغداد تعني خسارة أهم عمق استراتيجي لها غرب حدودها من هذا المنطلق جاء توم باراك حاملاً أكثر من رسالة الأولى أن الولايات المتحدة لن تكتفي بالمراقبة من بعيد والثانية أن مرحلة التسويات الرمادية تقترب من نهايتها، والثالثة أن واشنطن تريد شريكاً عراقياً قادراً على اتخاذ قرارات سيادية بعيداً عن تأثير السلاح والنفوذ غير الرسمي، اللافت أن الولايات المتحدة لم تعين حتى الآن سفيراً دائماً في بغداد وفضّلت الاعتماد على مبعوث رئاسي يتمتع بصلاحيات أوسع وحضور سياسي أكبر وهذه الخطوة تعكس أن واشنطن لا تنظر إلى العراق كملف دبلوماسي اعتيادي بل كملف استراتيجي مرتبط مباشرة بالأمن الإقليمي ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة وفي المقابل تدرك القوى القريبة من طهران أن الضغوط الأمريكية الحالية تختلف عن المراحل السابقة فواشنطن لم تعد تتحدث فقط عن الوجود العسكري أو التعاون الأمني بل انتقلت إلى ملفات أكثر حساسية تتعلق بالنظام المالي والمصارف والعقوبات والاستثمارات والطاقة وهي أدوات ضغط أكثر تأثيراً وأقل كلفة من المواجهة المباشرة وسط هذه المعادلة يقف رئيس الوزراء علي الزيدي أمام أصعب اختبار سياسي في بداية عهده فالرجل تسلم حكومة جاءت بعد مخاض سياسي طويل وتوافقات معقدة لكنه مطالب خلال الأشهر الستة المقبلة بإثبات قدرته على تحقيق توازن شبه مستحيل بين متطلبات الداخل العراقي وضغوط الخارج التحدي الأول أمام حكومته سيكون الملف الاقتصادي فالولايات المتحدة تربط بشكل واضح بين دعمها للعراق وبين تنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية حقيقية ومحاربة الفساد وتوسيع الشراكات الاستثمارية الدولية أما التحدي الثاني فهو ملف الفصائل المسلحة ومستقبل العلاقة بينها وبين الدولة وهو الملف الذي سيحدد شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن خلال المرحلة المقبلة أما التحدي الثالث فهو إدارة العلاقة مع إيران فالعراق لا يستطيع تجاهل الجغرافيا أو المصالح المشتركة مع طهران لكنه في الوقت ذاته لم يعد قادراً على تحمل كلفة الصراع المفتوح مع الولايات المتحدة لذلك ستكون السياسة العراقية مطالبة بإنتاج صيغة جديدة تقوم على مبدأ الشراكة المتوازنة لا التبعية لأي محور خلال الأشهر الستة المقبلة ستظهر ثلاثة مؤشرات حاسمة لمستقبل العراق..
أولاً: قدرة الحكومة على فرض سلطة الدولة على جميع الملفات الأمنية والاقتصادية دون استثناء.
ثانياً: نجاحها في جذب استثمارات ومشاريع كبرى تعزز الاقتصاد وتخلق فرص عمل حقيقية.
ثالثاً: قدرتها على حماية العراق من التحول إلى ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران في حال تصاعد التوتر الإقليمي.
إذا نجحت الحكومة في هذه الاختبارات فإن العراق قد يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي أما إذا استمرت حالة التردد وإدارة الأزمات بالحلول المؤقتة فإن البلاد ستبقى رهينة التجاذبات الخارجية مهما تغيرت الأسماء والعناوين و الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن الصراع في العراق اليوم لم يعد صراعاً على المناصب بل صراع على هوية الدولة نفسها هل تكون دولة مؤسسات قادرة على اتخاذ قرارها الوطني المستقل؟ أم تبقى ساحة مفتوحة لتنافس المشاريع الإقليمية والدولية؟
لهذا فإن توم باراك ليس القضية وإيران ليست القضية وحتى الحكومة الحالية ليست القضية القضية الحقيقية هي ما إذا كان العراق قادراً أخيراً على استثمار موقعه الاستراتيجي وثرواته وإمكاناته لبناء دولة قوية تحظى باحترام الجميع ففي السياسة الدولية لا يحترم الضعفاء أحد أما الدول القوية فإنها تفرض احترامها حتى على خصومها.






