حرية
حلّ العراق في المرتبة 61 عالمياً من أصل 130 دولة في تصنيف الحد الأدنى للأجور الشهرية بعد احتسابها وفق تعادل القوة الشرائية، مسجلاً ما يعادل 626 دولاراً شهرياً، بحسب تقرير نشره موقع «فيجوال كابيتاليست».
ويختلف هذا المؤشر عن مقارنة الرواتب بالدولار وفق أسعار الصرف فقط، إذ يحاول احتساب الفوارق في أسعار السلع والخدمات وتكاليف المعيشة بين البلدان، للوصول إلى صورة أقرب للقوة الشرائية الفعلية للأجر.
وبهذا الترتيب، جاء العراق متقدماً بفارق محدود على جنوب أفريقيا التي سجلت 620 دولاراً، وغيانا عند 619 دولاراً، بينما جاءت الصين في المرتبة 73 بـ544 دولاراً، وتونس في المرتبة 77 بـ513 دولاراً.
في المقابل، تصدرت سويسرا التصنيف بحد أدنى بلغ 3804 دولارات شهرياً وفق تعادل القوة الشرائية، تلتها ألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا، فيما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة 25 بنحو 1257 دولاراً.
أما في ذيل التصنيف، فسجلت النيجر 196 دولاراً في المرتبة 121، وغانا 100 دولار في المرتبة 127، بينما جاءت غامبيا في المرتبة الأخيرة بـ67 دولاراً شهرياً.
الرقم لا يعني أن العامل العراقي يتقاضى 626 دولاراً
ورغم أن الرقم قد يبدو مرتفعاً عند النظر إليه مجرداً، فإن قراءة التصنيف تحتاج إلى قدر من الحذر. فـ626 دولاراً لا تعني أن الحد الأدنى القانوني للأجور في العراق يساوي فعلياً هذا المبلغ نقداً، وإنما هو رقم معدل وفق القوة الشرائية بهدف إجراء مقارنة دولية بين مستويات المعيشة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يبدو العراق في منتصف التصنيف تقريباً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن العامل العراقي يعيش بمستوى قريب من العامل في الدول التي تحتل مراتب متقدمة.
فالقدرة الشرائية لا ترتبط بالأجر وحده، وإنما بما يقتطع منه مقابل السكن والغذاء والنقل والطاقة والخدمات والتعليم والصحة، فضلاً عن حجم الاستقرار الوظيفي ومدى توافر فرص العمل.
قوة الرقم أمام ضعف الدخل
تكشف هذه النتيجة جانباً مهماً من الاقتصاد العراقي: وجود قوة شرائية نسبية لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الدخل الحقيقي لجميع المواطنين.
فالعراق اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، بينما يعاني سوق العمل من اختلالات تتمثل في اتساع القطاع غير المنظم، وارتفاع معدلات البطالة بين فئات معينة، وتفاوت كبير بين الوظائف الحكومية والقطاع الخاص.
كما أن متوسط دخل المواطن لا يمكن اختزاله في الحد الأدنى للأجر؛ إذ توجد فجوة كبيرة بين العاملين في قطاعات مختلفة، وبين الموظف الحكومي والعامل في القطاع الخاص، فضلاً عن وجود شريحة واسعة من العاملين بأجور غير مستقرة ولا تخضع بالضرورة لهيكل موحد للأجور.
أين تكمن المشكلة؟
المشكلة الاقتصادية لا تتمثل فقط في قيمة الحد الأدنى للأجور، وإنما في قدرة الاقتصاد على توفير وظائف منتجة ومستقرة بأجور تتناسب مع تكاليف الحياة.
فارتفاع الأجر الاسمي من دون زيادة الإنتاجية قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية، بينما رفع القوة الشرائية بصورة مستدامة يحتاج إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، واستثمارات منتجة، وقطاع خاص قادر على خلق فرص عمل حقيقية.
وهذا يعني أن تحسين مستوى معيشة العراقيين لا يمكن أن يعتمد على زيادة الرواتب وحدها، بل يحتاج إلى معالجة أوسع تشمل الإسكان والنقل والخدمات والأسعار وفرص العمل والإنتاج المحلي.
العراق أمام اختبار «ما بعد النفط»
وتكتسب نتيجة التصنيف أهمية أكبر في ظل النقاش المتواصل حول مستقبل الاقتصاد العراقي. فإذا كان الرقم المعدل للقوة الشرائية يضع العراق في المرتبة 61 عالمياً، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه القوة الشرائية إلى دخل مستدام ومستوى معيشة أكثر استقراراً.
فالاقتصاد الذي يعتمد على النفط يستطيع تمويل الأجور خلال فترات ارتفاع الأسعار، لكنه يبقى معرضاً للضغط عندما تتراجع الإيرادات النفطية.
ومن هنا، فإن تحسين ترتيب العراق الاقتصادي لا يجب أن يكون هدفه مجرد رفع قيمة الأجر، بل بناء اقتصاد يستطيع إنتاج الثروة خارج النفط، وتوفير وظائف ذات إنتاجية مرتفعة، وتحويل القوة الشرائية إلى رفاه اقتصادي حقيقي.
رقم 626 دولاراً يمنح العراق موقعاً أفضل مما قد توحي به الصورة التقليدية عن مستويات الأجور، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دليلاً منفرداً على ارتفاع مستوى المعيشة. الاختبار الحقيقي ليس كم يعادل الحد الأدنى للأجر على الورق، وإنما كم يستطيع العراقي أن يشتري بهذا الدخل، وما الذي يبقى منه بعد تكاليف الحياة، وهل يحصل في المقابل على وظيفة مستقرة وإنتاجية واقتصاد قادر على حماية دخله؟







