د. خالد الجابر
بعد ساعات من التفاؤل الحذر بإمكانية تحقيق اختراق في مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي عقدت في باكستان، جاء إعلان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ليبدد تلك التوقعات، مؤكدا عدم التوصل إلى اتفاق يلبي الحد الأدنى من تطلعات الطرفين.
فقد انتهت جولة تفاوضية مطولة، استمرت أكثر من 21 ساعة من الاجتماعات المكثفة، دون تحقيق أي تقدم ملموس، ما يعيد اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت إلى دائرة الشك، ويبقي احتمالات التصعيد العسكري قائمة بقوة.
تكشف تفاصيل هذه الجولة عن عودة واضحة إلى نقطة الصفر، حيث تمحورت الخلافات حول قضايا جوهرية لم تنجح سنوات من الدبلوماسية في تجاوزها.
في مقدمة هذه القضايا، إصرار طهران على الاحتفاظ بمخزونها من اليورانيوم المخصب، ورفضها تقديم التزامات طويلة الأمد تحول دون تطوير قدرات نووية عسكرية، إلى جانب طرح مطالب تتعلق بالسيطرة أو النفوذ على مضيق هرمز، وهو ما اعتبرته واشنطن تجاوزا صريحا لخطوطها الحمراء الإستراتيجية.
تثور في مثل هذه الظروف المعقدة عدة تساؤلات: هل يعيد الخليج تموضعه بعد تعثر هذه الجولة من المفاوضات؟ وهل نحن أمام لحظة تغلق فيها الدبلوماسية أبوابها تباعا، ليفتح الخيار العسكري على مصراعيه؟
وهل يصبح توسيع الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلى عمق الداخل الإيراني ليس احتمالا، بل المسار الأكثر ترجيحا، في ظل مفاوضات استنزفت نفسها دون نتائج، وتسويات باتت مستحيلة القبول من جميع الأطراف؟
لكن من ناحية أخرى فإن إن اختزال المشهد في ثنائية “تفاوض فاشل” أو “تصعيد عسكري” يفقدنا قراءة ما هو أعمق. فهذه المواجهة لم تعد مجرد أزمة قابلة للإدارة، بل تحولت إلى اختبار لطبيعة الصراع ذاته.
صحيح أن الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية نجحت في تجاوز الجغرافيا، لتصل إلى الخليج والأردن وتركيا وإسرائيل، عابرة فضاء إقليميا واسعا، فيما بقيت الأراضي الأمريكية خارج نطاق النيران المباشرة، إلا أن هذه المفارقة تكشف جوهر التحول: الحرب لم تعد تقاس بمكان وقوعها، بل بتأثيرها.
التموضع خليجيا
في ظل هذا الفراغ الدبلوماسي، تشعر دول الخليج بأنها تُدفع قسرا إلى قلب معادلة لا تملك التحكم بها: إيران التي تتعرض للضغط والاستهداف الأمريكي قد تختار نقل المواجهة إلى محيطها الجغرافي، فيما تتحول دول الخليج إلى أهداف محتملة بحكم الجغرافيا والدور، لا بحكم القرار.
المفارقة هنا أن الجميع يعلن رغبته في تجنب الحرب، لكن سلوك الأطراف يدفع نحوها بثبات؛ وكأن المنطقة عالقة في منطق ردود الفعل، حيث يصبح التصعيد خيارا تلقائيا لا نتيجة مدروسة.
وهنا يجد مجلس التعاون لدول الخليج العربية نفسه أمام منعطف لا يقل خطورة عن اللحظة التي استدعت ولادته الأولى عام 1981.
ما يجعل هذه اللحظة مفصلية حقا ليس حجم التهديد وحده، بل طبيعة الخيارات المطروحة. فالمجلس لم يعد أمام سؤال التطوير التدريجي، بل أمام اختبار وجودي صريح: إما القفز نحو تكامل إستراتيجي عميق يليق بحجم التحديات، أو الاستمرار في نموذج تنسيقي فضفاض قد يفقد صلاحيته أمام تحولات جيوسياسية لا تنتظر المترددين.
شكلت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران اختبارا مزدوجا لقدرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية على الصمود والتنسيق المشترك.
فقد كشفت الهجمات المتكررة على الدول الست، بما في ذلك المنشآت الحيوية وإغلاق الممرات البحرية، عن محدودية الاعتماد على الدبلوماسية والتنسيق السياسي وحدهما.
لقد خلقت هذه الحرب حافزا موضوعيا للتقارب لم يكن متاحا في الظروف الطبيعية. فمصالح دول الخليج الاقتصادية والأمنية باتت أكثر تشابكا من أي وقت مضى، سواء فيما يخص أمن الطاقة وحماية منشآتها الحيوية، أو استقرار سلاسل الإمداد التي تغذي اقتصادات المنطقة، أو الحفاظ على ثقة الأسواق الدولية في الخليج بوصفه مركزا آمنا للاستثمار والتجارة.
يقف المجلس اليوم أمام مفترق طرق لا يحتمل التأجيل: إما التحول إلى كتلة إستراتيجية متماسكة قادرة على إدارة المخاطر والتفاوض مع القوى الكبرى من موقع قوة جماعية، أو البقاء إطارا بروتوكوليا يتآكل تدريجيا في عالم يتجه بسرعة نحو التكتلات الكبرى.
“الولادة الثانية” لمجلس التعاون ليست ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية تفرضها جغرافيا الخطر وحسابات البقاء.
لقد خرجت هذه الحرب من حدودها الجغرافية، لتدخل فضاء أكثر تعقيدا، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاختبارات السياسية، وتتحول الساحات الإقليمية إلى امتدادات لصراع أوسع يعاد فيه تعريف موازين القوة ومعنى الردع ذاته.
التموضع أمريكيا
ومن تجليات هذا التحول الأكثر دلالة في هذه الحرب انتقال مركز ثقلها من ساحات القتال إلى الداخل الأمريكي. فمع تصاعد العمليات قبل نهاية الشهر الثاني من عام 2026، لم يعد السؤال محصورا في كيفية إدارة المواجهة مع إيران، بل في كيفية إدارة تداعياتها داخل واشنطن نفسها.
وهنا، تكشف الحرب عن حقيقة غالبا ما يتم تجاهلها: أن الأزمات الكبرى لا تختبر فقط على الحدود، بل في العواصم التي تتخذ قرار الحرب.
في ظل الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترمب، لم يكن القرار العسكري معزولا عن الحسابات السياسية الداخلية، بل أصبح جزءا منها.
فالحرب، بدل أن توحد، أعادت إنتاج الاستقطاب، ودفعت بالنقاش العام نحو مستويات أكثر حدة، حيث لم يعد الخلاف حول التكتيك، بل حول المبدأ ذاته: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في لعب دور شرطي العالم؟
صراع السرديات السياسية
في قلب هذا الجدل، يتقاطع خطابان متناقضان. الأول، يتبناه قطاع واسع من الجمهوريين، يرى في الحرب ضرورة إستراتيجية لإعادة تثبيت معادلة الردع، ومنع إيران من فرض وقائع جديدة في الإقليم. وفق هذا المنطق، فإن التراجع ليس خيارا، لأن كلفته الإستراتيجية ستكون أعلى من كلفة المواجهة.
في المقابل، يطرح التيار الديمقراطي أو على الأقل جناحٌ مؤثر داخله سؤالا أكثر إزعاجا: ماذا لو كانت هذه الحرب، بدل أن تعزز الردع، تسرع من تآكل القوة الأمريكية؟ هنا، لا ينظر إلى المواجهة كضرورة، بل كفخ إستراتيجي يعيد إنتاج دورات الاستنزاف التي خبرتها واشنطن في العقدين الماضيين.
هذا الانقسام لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير، بل صراعا أعمق حول تعريف المصلحة الوطنية نفسها: هل تقاس بالقوة العسكرية والهيبة الدولية، أم بالقدرة على إعادة ترتيب الأولويات الداخلية؟
انقسام الرأي العام
إذا كانت النخب منقسمة، فإن الرأي العام لا يقل ترددا. فالحرب مع إيران لم تستقبل بوصفها “حربا بعيدة”، بل كحدث يلامس مباشرة حياة المواطن الأمريكي، من أسعار الطاقة إلى أولويات الإنفاق العام. ومع غياب إجماع سياسي واضح، لم تتشكل حالة تعبئة وطنية شاملة، بل حالة من الشك البنيوي في جدوى الحرب نفسها.
هذا التحول بالغ الدلالة؛ إذ يكشف أن المجتمع الأمريكي لم يعد يتعامل مع الحروب الخارجية كامتداد طبيعي لدوره العالمي، بل كعبء يجب تبريره.
وهنا، يتغير منطق النقاش من سؤال “كيف نربح؟” إلى “لماذا نقاتل”، وهو تحول غالبا ما يسبق إعادة تقييم أعمق للسياسة الخارجية برمتها.
انعكاسات التجارب التاريخية
التاريخ الأمريكي يقدم تحذيرات واضحة في هذا السياق. فحرب فيتنام لم تحسم عسكريا بقدر ما حسمت سياسيا داخل الولايات المتحدة، حين انهار الإجماع الداخلي. وكذلك الحال في العراق وأفغانستان، حيث لم يكن التحدي في القدرة على القتال، بل في القدرة على الاستمرار.
اليوم، تعيد الحرب مع إيران إنتاج هذه المعادلة، ولكن ضمن ظروف أكثر تعقيدا: نظام دولي متعدد الأقطاب، اقتصاد عالمي هش، ومجتمع أمريكي أكثر استقطابا من أي وقت مضى. وهذا ما يجعل من الجبهة الداخلية عاملا حاسما، ليس فقط في تحديد مسار الحرب، بل في رسم حدود الدور الأمريكي عالميا.
الحرب كمرآة لا كميدان
هل ستعود المفاوضات المتعثرة للبحث عن مخرج؟ أم ستحسم المواجهة العسكرية مسار الحرب مع إيران، وتفرض واقعا جديدا على مضيق هرمز؟
قد يبدو هذا السؤال محوريا، لكنه ليس الأعمق. فالقضية الحقيقية لا تتعلق بمن انتصر أو من رضخ، بل بما ستتركه هذه الحرب في بنية الولايات المتحدة ذاتها.
لقد تجاوزت هذه المواجهة كونها صراعا عسكريا تقاس نتائجه على خرائط العمليات، لتتحول إلى لحظة اختبار قاسية تعري حدود القوة الأمريكية، وتعيد ترتيب أولوياتها الإستراتيجية.
إنها ليست حربا على أطراف النظام الدولي بقدر ما هي مراجعة داخلية مفروضة، تدفع واشنطن إلى مواجهة سؤال طال تأجيله: ما معنى أن تبقى قوة عظمى في عالم لم يعد يستجيب بسهولة لمنطق الهيمنة، وفي ظل مجتمع داخلي لم يعد مستعدا لتحمل كلفة هذا الدور دون مساءلة سياسية واقتصادية متصاعدة.
أما خليجيا فإن فالتأثير الذي أحدثته الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تجاوز حدود المواجهة العسكرية المحدودة ليتحول إلى صراع بنيوي يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط برمته.
وتحت وطأة هذا الصراع، تتعرض دول الخليج لضغوط متشعبة تطال منظوماتها الدفاعية والاقتصادية والتجارية، وتختبر متانة تحالفاتها الدولية على نحو غير مسبوق.







