رغد بنت زيد
يحلّ اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من أيار من كل عام، حاملاً معه مناسبة تتجاوز الطابع الاحتفالي لتلامس جوهر واحدة من أكثر المهن تأثيراً في حياة الشعوب مهنة البحث عن الحقيقة وفي العراق، يكتسب هذا اليوم بُعداً خاصاً حيث تتقاطع ذاكرة الألم مع إرادة الاستمرار ويقف الصحفي بين واقع معقّد وطموح مشروع نحو إعلام حر ومسؤول.
منذ أن أقرّت الأمم المتحدة هذا اليوم عام 1993 تحوّل إلى منصة عالمية لتقييم واقع حرية التعبير وتسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون إلا أن الصحفي العراقي لا يحتاج إلى مناسبة سنوية ليتذكّر حجم المخاطر التي تحيط بعمله في ظل بيئة إعلامية ارتبطت لعقود بتحولات سياسية وأمنية متسارعة.
بعد عام 2003، شهد العراق توسعاً غير مسبوق في عدد وسائل الإعلام عكس تعطشاً واسعاً لحرية التعبير بعد سنوات من القيود غير أن هذا الانفتاح لم يخلُ من التحديات إذ سرعان ما تحولت الساحة الإعلامية إلى ميدان تنافس محتدم، تتداخل فيه المهنية مع الاصطفافات السياسية، وتبرز فيه إشكاليات التمويل والاستقلالية.
ويجد الصحفي العراقي نفسه اليوم في مواجهة متعددة الجبهات؛ ضغوط سياسية تحاول التأثير على الخطاب الإعلامي ومخاطر ميدانية حقيقية لا سيما في مناطق النزاعات أو أثناء تغطية الاحتجاجات وفي موازاة ذلك، تبرز معركة لا تقل تعقيداً، تتمثل في التصدي للأخبار المضللة التي تنتشر بسرعة في الفضاء الرقمي المفتوح.
ورغم هذه التحديات، أثبتت الصحافة العراقية قدرتها على الصمود إذ لعبت دوراً محورياً في كشف ملفات الفساد، ونقل معاناة المواطنين ومواكبة التحولات الكبرى في البلاد كما برز جيل جديد من الصحفيين يوظف الأدوات الرقمية الحديثة لتقديم محتوى أكثر مهنية وعمقاً بعيداً عن الاستقطاب الحاد.
غير أن الطريق نحو إعلام حر ومستقل لا يزال طويلاً فثمة حاجة ملحّة إلى بيئة قانونية تكفل حماية الصحفيين وتضمن حق الوصول إلى المعلومات وتحدّ من الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة بحقهم كما يشكّل تطوير المؤسسات الإعلامية وتعزيز التدريب المهني ركيزة أساسية للارتقاء بالمحتوى الإعلامي.
في هذا اليوم لا يكفي الاحتفاء بالصحافة بقدر ما تبرز ضرورة حمايتها فالسؤال لم يعد فقط عن حرية الكلمة بل عن الضمانات التي تكفل استمرارها كيف نحمي الصحفي؟ كيف نضمن استقلالية الإعلام؟ وكيف نستعيد ثقة الجمهور في زمن تتزاحم فيه الروايات وتتشابك فيه الحقائق؟
في العراق تبقى الصحافة مرآة لواقع معقّد، لكنها في الوقت ذاته أداة للتغيير وبين التحديات والآمال يواصل الصحفي العراقي أداء رسالته، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة مهما ضاق عليها الواقع قادرة في النهاية على أن تجد طريقها إلى الحقيقة.







