حرية
لم تتوقف تداعيات واقعة العلم الأميركي خلال احتفالات يوم السيادة عند الاعتقالات والتحقيقات الأولية، بل امتدت إلى داخل المؤسسة الأمنية، مع قرار مكتب القائد العام للقوات المسلحة إقالة أربعة ضباط في وزارة الداخلية من مناصبهم، وتشكيل مجالس تحقيقية بحقهم على خلفية الإهمال والتقصير في أداء مهامهم الأمنية المرتبطة بالحادثة.
ويعيد القرار فتح ملف المسؤولية القيادية داخل الأجهزة الأمنية، ولا سيما في الفعاليات العامة التي تتطلب تنسيقاً ميدانياً ورقابة تمنع وقوع تصرفات قد تتحول إلى أزمة سياسية أو دبلوماسية.
فالمساءلة، في هذه الحالة، لا تتعلق فقط بمن قام بالفعل، بل تمتد إلى معرفة ما إذا كانت الإجراءات الأمنية كافية، وكيف جرى التعامل مع الواقعة، وما إذا كان التقصير قد وقع في التخطيط أو التنفيذ أو الإشراف.
وتعود القضية إلى مطلع تشرين الأول الجاري، حين أظهرت مقاطع مصورة متداولة مركبات تمر فوق العلم الأميركي خلال استعراضات أقيمت في بغداد بمناسبة يوم السيادة، الذي تزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.
وعلى إثر ذلك، وجّه رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي بتشكيل لجنة تحقيقية، مؤكداً ضرورة الالتزام بالقوانين والأعراف الدبلوماسية، فيما أعلنت السلطات اعتقال أشخاص على صلة بالحادثة.
لكن الحادثة سرعان ما تجاوزت إطارها الأمني، بعدما دخلت على خطها مواقف سياسية وإعلامية خارج العراق.
فقد نشر عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون صوراً للواقعة، مستخدماً إياها لانتقاد نفوذ إيران في العراق والتشكيك بقدرة الحكومة على فرض سلطتها.
وفي المقابل، ظهر الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي في مقطع مصور وهو يمشي فوق العلم الأميركي، عقب اعتقال أشخاص على خلفية الحادثة، فيما طالبت الحركة بالإفراج عنهم.
وهكذا تحولت الواقعة من تصرف خلال استعراض إلى ساحة سجال بشأن سيادة الدولة، وحدود نفوذ الفصائل المسلحة، وطبيعة العلاقة مع واشنطن.
وتكتسب هذه التطورات حساسية إضافية لأن الاحتفال جاء في مرحلة انتقالية للعلاقات الأمنية بين بغداد وواشنطن، بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، وفي وقت تسعى فيه الحكومة إلى تنظيم العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة بالتوازي مع تأكيد سيادة القرار العراقي.
وفي مثل هذا السياق، يمكن لأي مشهد رمزي أن يُستثمر سياسياً، سواء لتصوير العراق بوصفه عاجزاً عن ضبط القوى المسلحة، أو لتقديم التصرف باعتباره موقفاً من الوجود الأميركي.
ولا تنفصل المساءلة الحالية عن ملف أوسع يتعلق بالانضباط داخل وزارة الداخلية.
ففي أيلول الماضي، أعلنت الوزارة إخراج 38 ضابطاً من الخدمة بعد ثبوت تورطهم بقضايا فساد إداري ومالي، إلى جانب إجراءات طالت منتسبين لأسباب أخرى، بينها أحكام قضائية نهائية والغياب عن الواجب.
ولا تعني هذه القضايا أن الإقالات الجديدة مرتبطة بفساد مالي، لكنها تبرز استمرار التحدي المتمثل في فرض المساءلة داخل المؤسسة الأمنية، كلٌّ وفق طبيعة المخالفة المنسوبة إلى المعنيين.
وفي البعد الديني والسياسي، أظهرت مواقف بعض قادة الفصائل من الاعتقالات أن الخلاف لا يدور حول العلم وحده، بل حول حدود سلطة الحكومة في محاسبة أفراد أو جماعات ترتبط بتشكيلات مسلحة ذات حضور سياسي.
غير أن توصيف هذه المواقف بوصفها مؤامرة أو دليلاً على فساد يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يكفي فيه التباين مع القرار الحكومي أو الاعتراض عليه.
وبينما تمثل إقالة الضباط خطوة إدارية للمحاسبة، يبقى الاختبار الأهم في نتائج التحقيقات: هل ستحدد المسؤوليات الفردية والقيادية بوضوح، وهل ستترجم إلى إجراءات تمنع تكرار حوادث مماثلة؟
فاستعادة الثقة بالمؤسسات الأمنية لا تتحقق بالقرارات وحدها، بل بإنفاذ القانون على نحو متسق، وحماية استقلال القرار الأمني العراقي من الاستقطاب السياسي، ومنع تحويل المناسبات الرسمية إلى وقائع تفرض على الدولة أزمات دبلوماسية كان بالإمكان تفاديها.
ادناه ننص الوثيقة كما وردت لـ (حرية)








