حرية
يتجه التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان إلى مستويات أكثر تقدماً، في ظل تقاطع المصالح الأمنية والسياسية بين بغداد وأربيل، ولا سيما في ملف حصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية.
ويأتي هذا التقارب في وقت يتحرك فيه إقليم كردستان أيضاً على خط العلاقات العراقية ـ السورية، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين بغداد ودمشق ومعالجة الملفات السياسية والأمنية العالقة بين الجانبين.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق أسهمت في تخفيف جانب من المخاوف المتبادلة، من خلال نقل رسائل بين بغداد ودمشق، بما يعكس رغبة كردية في لعب دور الوسيط بدلاً من البقاء بعيداً عن الملفات الإقليمية المؤثرة في أمن العراق.
حصر السلاح.. نقطة الالتقاء الأبرز
ويبرز ملف حصر السلاح بيد الدولة باعتباره إحدى أهم نقاط التقاطع بين بغداد وأربيل، خصوصاً بعد إدراج الملف ضمن أولويات ائتلاف إدارة الدولة، وتحديد الثلاثين من أيلول المقبل موعداً نهائياً أمام الفصائل المسلحة لتسليم سلاحها، مع التلويح بإجراءات قانونية بحق الرافضين.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني دعم حكومته لجهود بغداد في حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، مؤكداً أن الإقليم لا يريد أن يتحول إلى طرف في أي صراع إقليمي.
ولا تبدو هذه المواقف منفصلة عن تجربة الإقليم خلال المرحلة الأخيرة، إذ تعرضت مناطق في كردستان لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة، طالت مواقع ومنشآت حيوية وحقولاً نفطية، ما جعل أربيل أكثر تمسكاً بمبدأ تحييد الأراضي العراقية عن المواجهات الإقليمية.
من التعاون السياسي إلى التنسيق الأمني
ولا يقتصر التقارب بين بغداد وأربيل على المواقف السياسية، بل يمتد إلى ملفات أمنية واستخبارية، تشمل تبادل المعلومات والتنسيق بشأن المطلوبين والقضايا المرتبطة بالأمن الداخلي.
ويعكس هذا المسار إدراك الطرفين أن التحديات الأمنية لم تعد قابلة للمعالجة ضمن حدود جغرافية منفصلة، خصوصاً مع امتداد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتهديدات العابرة للمحافظات والمناطق.
كما أن وجود ترتيبات أمنية مشتركة بين العراق والولايات المتحدة في محيط مطاري بغداد وأربيل، رغم عدم وجود قوات أميركية في قاعدة حرير بحسب التصريحات الكردية، يشير إلى استمرار أشكال من التعاون الأمني بين الجانبين في مرحلة تتغير فيها طبيعة الوجود الدولي في العراق.
أربيل وسيطاً بين بغداد ودمشق
التحرك الكردي باتجاه دمشق يضيف بعداً جديداً إلى العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، خصوصاً إذا تمكنت أربيل من المساهمة في تخفيف التوترات وفتح قنوات اتصال أكثر فاعلية بين بغداد ودمشق.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل تشابك الملفات الأمنية والحدودية والاقتصادية بين العراق وسوريا، وارتباطها بمسائل مكافحة الإرهاب وحركة الجماعات المسلحة وتأمين الحدود والتبادل التجاري.
ومن هنا، فإن الدور الكردي لا يبدو مجرد مبادرة دبلوماسية منفصلة، بل محاولة لتثبيت الإقليم بوصفه لاعباً قادراً على التواصل مع الأطراف الإقليمية، من دون تجاوز صلاحيات الحكومة الاتحادية في رسم السياسة الخارجية.
مرحلة اختبار جديدة
ويكشف هذا التطور عن تغير تدريجي في طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل؛ فبعد سنوات من الخلافات حول النفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها، يبدو أن الملف الأمني بات يشكل مساحة أكبر للتفاهم المشترك.
غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات عملية، خصوصاً في ما يتعلق بحصر السلاح، وضبط الحدود، وتبادل المعلومات، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة للهجمات على دول الجوار.
وفي المحصلة، فإن التقارب الأمني بين بغداد وأربيل قد يمثل بداية لمرحلة مختلفة في العلاقة بين الطرفين، عنوانها المصالح المشتركة وتحييد العراق عن صراعات المنطقة. وإذا نجح هذا التنسيق في إنتاج تفاهمات عملية، فقد يمتد أثره إلى العلاقة مع دمشق وملفات الحدود والتجارة والأمن الإقليمي، ليصبح إقليم كردستان جزءاً من منظومة عراقية أوسع لإدارة التحديات الإقليمية، بدلاً من أن يكون ساحة لتداعياتها.







