حرية
تتسم العلاقات بين روسيا وإسرائيل بتاريخ شديد التعقيد، يتداخل فيه البعد السياسي مع الإرث الاجتماعي والديموغرافي، وصولاً إلى الحسابات الجيوسياسية الحديثة. فمن رحم الإمبراطورية الروسية خرجت موجات الهجرة اليهودية الأولى التي أسست لاحقاً للحركة الصهيونية في فلسطين، بينما تحوّلت موسكو، بعد عقود، إلى خصم أيديولوجي لإسرائيل خلال الحقبة السوفياتية، قبل أن تعود العلاقة بينهما إلى مسار أكثر براغماتية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
لكن الحرب في أوكرانيا، ثم المواجهة الإقليمية المفتوحة بين إسرائيل وإيران، دفعت هذه العلاقة إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، وضعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موقع سياسي حساس بين حليف استراتيجي كإيران، وعلاقة لا يريد خسارتها مع إسرائيل والولايات المتحدة.
منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وتل أبيب عام 1991، شهدت العلاقة بين الطرفين موجات متعاقبة من التقارب والتوتر. فإسرائيل نظرت دائماً بقلق إلى تنامي العلاقات الروسية الإيرانية، خصوصاً مع تطور الشراكة العسكرية بين موسكو وطهران خلال الحرب الأوكرانية، بينما رأت روسيا في إسرائيل بوابة مهمة للتأثير داخل الشرق الأوسط والعالم الغربي، مستفيدة من وجود أكثر من مليون مهاجر من أصول سوفياتية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وعلى الرغم من استمرار التعاون الاقتصادي والثقافي والأمني بين الجانبين، فإن الملفات الخلافية بقيت حاضرة بقوة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والعلاقات الروسية مع “حماس”، والحرب في سوريا، إضافة إلى الموقف الإسرائيلي من الحرب في أوكرانيا.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، بدأت العلاقات الروسية الإسرائيلية تدخل مرحلة أكثر توتراً. فموسكو رفضت تصنيف “حماس” تنظيماً إرهابياً، واستمرت في استقبال وفود الحركة، في وقت تبنت فيه خطاباً أكثر قرباً من الرواية الفلسطينية، الأمر الذي أثار غضباً متزايداً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية.
ومع اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران، ازدادت معضلة الكرملين تعقيداً. فإيران باتت تمثل أحد أهم شركاء روسيا الاستراتيجيين بعد الحرب الأوكرانية، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيّرة والتعاون العسكري والاقتصادي. وفي المقابل، لا يستطيع بوتين تحمل خسارة إسرائيل أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، في وقت ما تزال فيه موسكو غارقة في استنزاف الحرب الأوكرانية.
ورغم محاولات بوتين تقديم نفسه وسيطاً بين طهران وتل أبيب، فإن هذا الدور بدا محدود التأثير. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعامل ببرود مع المبادرة الروسية، حين قال لبوتين ساخراً: “كن وسيطك أولاً”، في إشارة إلى الحرب الأوكرانية، بينما تنظر إسرائيل إلى موسكو بعين الشك بسبب تقاربها مع إيران واحتفاظها بعلاقات مفتوحة مع “حماس”.
في المقابل، لا تملك روسيا القدرة على تقديم دعم عسكري حقيقي لإيران، سواء بسبب انشغالها في أوكرانيا أو خشيتها من الصدام المباشر مع إسرائيل والغرب. لذلك، تكتفي موسكو بخطاب سياسي يدعو إلى التهدئة، مع محاولة الحفاظ على خطوط التواصل مع جميع الأطراف.
ويعكس هذا المشهد تراجع قدرة روسيا على لعب دور القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، مقارنة بما كانت تطمح إليه خلال السنوات الماضية. فالحرب الأوكرانية استنزفت جزءاً كبيراً من نفوذها العسكري والسياسي، بينما باتت أولوياتها مرتبطة بمنع خسارة موقعها الدولي أكثر من توسيع نفوذها الإقليمي.
ورغم ذلك، ما تزال موسكو تحاول الحفاظ على “توازن المصالح” في المنطقة، مستفيدة من علاقتها التاريخية مع العرب، ووجودها العسكري في سوريا، وعلاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، إلى جانب شراكتها المتنامية مع إيران.
لكن هذا التوازن يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى، خصوصاً مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، واتساع الفجوة بين موسكو والغرب، وتراجع الثقة الإسرائيلية بالدور الروسي.
وفي العمق، تكشف الأزمة الحالية أن روسيا لم تعد قادرة على الجمع بين دور الحليف لطهران والشريك المقبول لدى تل أبيب في آنٍ واحد، وأن الحرب في أوكرانيا سحبت من الكرملين كثيراً من أدوات المناورة التي اعتمد عليها لسنوات في الشرق الأوسط.
وبينما يسعى بوتين إلى الظهور كوسيط دولي قادر على إدارة التوازنات الكبرى، فإن الواقع يشير إلى أن موسكو باتت منشغلة أساساً بمنع تآكل نفوذها، أكثر من قدرتها على فرض تسويات أو إعادة رسم خرائط المنطقة كما كانت تطمح سابقاً.







