د. هبة السامرائي
هل تساءلنا يوماً كيف تتحول فكرة صغيرة وُلدت في عقل إنسان واحد إلى قانون غير مكتوب يحكم حياة الملايين؟
كيف تصبح جملة عابرة، أو اعتقاداً متوارثاً، أو خوفاً قديماً، جزءاً من هوية مجتمع كامل حتى يظن الناس أنها حقيقة لا تقبل النقاش؟
ذلك هو الوعي الجمعي… القوة الخفية التي لا تُرى، لكنها تسكن خلف تصرفات الشعوب، وخياراتها، وطريقة تفكيرها، ونظرتها إلى الحياة.
فالإنسان لا يعيش منفرداً تماماً، بل يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها، بالكلمات التي سمعها، بالأفكار التي تكررت أمامه، وبالمعايير التي فرضها المجتمع حتى أصبحت مألوفة. ومع مرور الزمن تتحول الأفكار الفردية إلى قناعات جماعية، والقناعات الجماعية إلى سلوك عام، والسلوك العام إلى هوية تميز مجتمعاً عن آخر.
لكن الوعي الجمعي ليس دائماً دليلاً على الصواب، ولا هو دائماً انعكاس للحقيقة. فهو يشبه النهر، إن كان مصدره صافياً حمل الحياة، وإن اختلطت مياهه بالشوائب نشر ما فيها.
كم من فكرة بدأت بصوت واحد، ثم وجدت من يكررها، ثم أصبحت عادة، ثم أصبح من يخالفها يُنظر إليه وكأنه يخرج عن المألوف. وهنا تكمن قوة الوعي الجمعي وخطورته في آن واحد .. فهو قادر على رفع أمة حين يحمل قيماً صحيحة، وقادر على إنهاكها حين يبني جدراناً من الوهم والخوف والجهل.
ولعل المجتمعات العربية قبل الانفتاح الكبير على الثورة الإلكترونية والتكنولوجية تقدم مثالاً واضحاً على تغير الوعي الجمعي عبر الزمن. فقد كانت كثير من المجتمعات أكثر انغلاقاً على نفسها، وكانت كلمة “العيب” حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية. أشياء كثيرة كانت توضع تحت عنوان “عيب”، وأحياناً كانت بعض الأمور تُوصف بأنها “حرام” دون وعي دقيق بمعنى التحريم ومصدره.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ما هو دين ثابت، وبين ما هو عرف اجتماعي قابل للتغير. فالإنسان لا يملك أن يجعل كل ما لا يعجبه حلالاً أو حراماً وفق مزاجه .. فالتحريم والتحليل لهما مرجعية، وقد بيّن القرآن الكريم أن هناك حدوداً واضحة لا يضعها البشر من عند أنفسهم.
فليس كل ما اعتاده الناس يصبح حقيقة، وليس كل ما رفضه المجتمع يكون خطأ. فقد يكون المجتمع أحياناً أسيراً لفكرة انتقلت إليه عبر الأجيال دون أن تُراجع أو تُفهم بعمق.
ومع دخول التكنولوجيا ووسائل التواصل، بدأ الوعي الجمعي يدخل مرحلة جديدة. أصبحت الفكرة تنتقل خلال ثوانٍ من شخص إلى آلاف، ومن مجتمع صغير إلى العالم كله. لم يعد تشكيل الوعي مقتصراً على الأسرة أو المدرسة أو البيئة القريبة، بل أصبحت المنصات الرقمية تصنع اتجاهات جديدة، وتغير مفاهيم، وتعيد تعريف ما يراه الناس مقبولاً أو مرفوضاً.
لكن هذا الانفتاح حمل معه وجهاً آخر .. فالوعي الجمعي الجديد قد يكون أكثر تحرراً من بعض القيود القديمة، لكنه قد يكون أيضاً أكثر عرضة للتأثر بالموجات السريعة، وبالأفكار المنتشرة لا لأنها صحيحة، بل لأنها متكررة.
فالتكرار يصنع الألفة، والألفة قد توهم الإنسان بالحقيقة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد أفراده قدرتهم على التفكير المستقل. فليس كل ما يصفق له الجمع يستحق التصفيق، وليس كل ما يرفضه الجمع يستحق الرفض. الإنسان الواعي لا يعيش خارج مجتمعه، لكنه لا يسلّم عقله بالكامل له.
الأمم التي ترتقي ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تمتلك القدرة على مراجعة أفكارها. فالوعي الجمعي ليس حجراً ثابتاً إنه كائن متغير يتشكل من أفكارنا، من حواراتنا، من شجاعتنا في الاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح.
قد تحمل أمة بأكملها فكرة خاطئة لسنوات، ثم يأتي جيل يسأل: لماذا نفعل ذلك؟
ومن هذا السؤال يبدأ التغيير.
إن مصائر الشعوب لا تصنعها القرارات الرسمية فقط، بل تصنعها أيضاً الأفكار التي تسكن عقول الناس. فحين ينتشر وعي يقدّر العلم، ويحترم الإنسان، ويبحث عن الحقيقة، يصبح المجتمع أكثر قوة. وحين ينتشر وعي يقوم على الخوف، والتخوين، وإلغاء الآخر، يصبح المجتمع أسيراً لأفكاره.
في النهاية… الوعي الجمعي ليس شيئاً خارجنا، بل هو مجموع ما نحمله نحن.
نحن الذين نصنعه بالكلمة، وبالموقف، وبالفكرة التي نكررها.
فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا يفكر المجتمع؟
بل: من الذي يصنع تفكير المجتمع؟
لأن الفكرة التي نزرعها اليوم… قد تصبح غداً صوت أجيال كاملة.







