رفيق خوري
حرب إيران هي الذروة في التراجيديا الشرق أوسطية التي عمرها أكثر من 100 عام. تراجيديا الصراع مع إسرائيل قبل قيامها وبعده. وهو صراع شهد حتى اليوم مرحلتين، مرحلة الحروب الكلاسيكية العربية – الإسرائيلية إلى جانب حروب عصابات مسلحة، ومرحلة التسويات والحروب غير الدولتية. الأولى كانت ذروتها حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 التي فاجأ بها الجيشان المصري والسوري إسرائيل. والثانية يمكن تسجيل بدايتها بحدثين دراماتيكيين عام 1979، سلام کامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وانتصار الثورة الإيرانية على الشاه.
سلام كامب ديفيد قاد إلى سلسلة تسويات عربية – إسرائيلية وصلت في قمة بيروت العربية عام 2002 إلى تقديم مبادرة عربية للسلام تحت عنوان “الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل”، والتسليم بأن “السلام خيار استراتيجي”. وثورة الخميني قادت إلى اتجاه معاكس هو إمساك إيران بورقة فلسطين، والدعوة إلى حرب دائمة مع الكيان الصهيوني تدار من الحرس الثوري وأذرعه في العالم العربي، بالتالي التصرف كأنها حرب في صراع إيراني – إسرائيلي تخلى عنه العرب.
والتاريخ شاهد. 47 عاماً من سير المنطقة في اتجاهين متعاكسين، اتجاه التسويات، من معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل إلى “اتفاق أوسلو” بين منظمة التحرير وإسرائيل واتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، إلى المفاوضات المباشرة بين سوريا وإسرائيل برعاية أميرکا من دون التوصل إلى اتفاق، وصولاً إلى “اتفاقات أبراهام” بين إسرائيل والإمارات العربية والبحرين والمغرب والسودان. وهذا الاتجاه لم يكن بالطبع سيراً ثابتاً إلى أمام من دون تقطع حتى بعد المبادرة العربية للسلام، التي رفضت إسرائيل السير على أساسها. فهي ضد شروط المبادرة التي بينها الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وقيام دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية وعاصمتها القدس الشرقية، وهي حتى ضد “فكرة” الدولة. لا، بل إن العمل لضم الضفة الغربية وغزة بعد ضم الجولان لم يعد يكفي نتنياهو الذي يحتل حالياً أجزاء من الجنوب اللبناني والجنوب السوري.
أما اتجاه الحرب الدائمة ضمن المشروع الإقليمي الإيراني، فإنه كان جزءاً من عقيدة وعملاً منظماً ومكلفاً عبر إقامة أذرع أيديولوجية مذهبية مسلحة تشكل “الدفاع المتقدم” عن إيران، “حزب الله” في لبنان والحشد الشعبي في العراق و”أنصار الله” الحوثيين في صنعاء، ومشاركة الأذرع في حرب سوريا دفاعاً عن نظام الأسد، وتوظيف “حماس والجهاد الإسلامي” في غزة والضفة. كانت جمهورية الملالي توسع مواقعها في الأرض العربية، وما احتاجت إليه جاء من أميركا، إسقاط نظام صدام حسين عام 2003 على يد الرئيس بوش الابن الذي كسر السد العراقي العربي أمام التوسع الإيراني، والاتفاق النووي الذي أراده الرئيس باراك أوباما بشدة مع توابعه من رفع العقوبات والإفراج عن أرصدة إيرانية مجمدة أيام الرئيس جو بايدن بعد أوباما، وبعد انسحاب أميركا من الاتفاق بقرار من الرئيس دونالد ترمب في ولايته الأولى.
لكن عملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها “حماس” بقيادة يحيى السنوار ومحمد الضيف وهزت إسرائيل، أدت إلى لعبة معاكسة كبيرة. فمن حيث كان التصور أن تكون بداية حرب تقودها إيران وأذرعها لإزالة إسرائيل، فإن إسرائيل دمرت غزة وأضعفت “حماس”. وأنزلت ضربة قاسية بـ”حزب الله” الذي بدأ حرباً لإسناد غزة. وأميركا وجهت بعد إسرائيل ضربات شديدة إلى الحوثيين. وأميركا لعبت مع تركيا بالتفاهم مع دول أخرى دوراً مهماً في إسقاط نظام الأسد على أيدي “هيئة تحرير الشام”، التي كانت تستولي على محافظة إدلب، ثم جاءت الضربة التي تصورت إيران أنها بعيدة منها وأن الأذرع تكفي للدفاع عنها، حرب الـ12 يوماً في الصيف الماضي وحرب الـ40 يوماً في الشتاء الماضي على طهران بالشراكة بين واشنطن وتل أبيب. ومع هذه الحروب مشروع سلام يمتد من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن يسمى “سلام ترمب للشرق الأوسط”.
ومع أن ما حدث أدى إلى ما سمته نائبة رئيس بروكنغز سوزان مالوني “كسر استراتيجية إيران الإقليمية”، وعدت إيران أن سقوط النظام السوري “كسر الهلال الشيعي” في منتصفه، فإن مشروع ترمب يحتاج إلى إنهاء المشروع الإقليمي الإيراني، لا فقط المشروع النووي. وفي المقابل، فإن جمهورية الملالي التي تنسب إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي القول إن الحرب أثبتت أن الجمهورية الإسلامية “قوة كبرى مؤثرة”، تتصرف كأنها ربحت الحرب وتحتاج إلى إسقاط المشروع الأميركي للسلام لكي ينتصر مشروعها. وبحسب المتخصص الاستراتيجي ولي نصر، فإن “الثقافة التي جذورها من الخوف والتطويق والطموح فوق الحد قادت إلى إنشاء قوى بالوكالة ووسائل حرب لا متماثلة لإيذاء أميركا وإسرائيل”.
لكن مصير اللعبة يتوقف على البقاء في ذروة التراجيديا أو النزول إلى مرحلة ما بعد الذروة. أما البقاء في الذروة، فإن عنوانه إكمال الحرب أو الحصول على صفقة تتخلى فيها طهران عن البرنامج النووي ومخزون اليورانيوم والأذرع في المنطقة، وتحد من البرنامج الصاروخي وتلغي السيطرة على مضيق هرمز. وأما بعد الذروة، فإن المعيار هو أن تؤدي حسابات ترمب التجارية والانتخابية إلى صفقة ضعيفة مع دولة بارعة في فن التفاوض والمماطلة. والانطباع السائد هو أن ترمب والملالي في سباق على رهانات الحسابات الخاطئة.





