أمين الزاوي
حين نسمع مثل هذه العبارة المتداولة كثيراً “موريتانيا بلد المليون شاعر” نتساءل: هل هذا التميز بوفرة الشعراء يعود لسلسلة من التقاليد الإبستمولوجية المتوارثة جيلاً بعد جيل؟ أم أن هذه الظاهرة مرتبطة بالجغرافيا، أي بالمكان، بما هو ذلك الفضاء الطبيعي الذي يتحقق فيه العيش والتعايش؟ فنتساءل: إلى أي مدى تملك الجغرافيا بعض أسرار هذه الخصوصية في إنتاج كثرة الشعراء؟
صحيح أن الظروف الاجتماعية والسياسية والتعليمية والثقافية والدينية لها اليد الواضحة في صناعة أو غياب الكتّاب والمبدعين، في حيز مكاني وتاريخي معين، لكننا هنا نتساءل عن أثر جينات الجغرافيا في نشوء الكتّاب، وكيف تتحول بعض المناطق إلى مشتلة ثرية للكتّاب والمبدعين بصورة عامة؟
عبقرية الجغرافيا
وإذا ما حفرنا أكثر في عبقرية الجغرافيا في الجزائر سنجد بأن بعض المناطق اشتهرت وعُرفت بكثرة كتّابها وفنانيها، مقارنة بمناطق أخرى، مع أن الثقافة التي يتقاسمها أهل هذه المناطق هي إلى حد كبير متشابهة، وعلى رغم أيضاً أن أبناء البلد برمته يتقاسمون تقريباً برامج المدرسة الحكومية نفسها، مع بعض الاختلالات وهذا أمر واقعي، وأيضاً يعيشون الظروف الاقتصادية والاجتماعية والدينية نفسها، مع بعض الفروقات البسيطة بين هذه المنطقة وأخرى، وعلى رغم أن الجميع يعيشون تحت نظام سياسي واحد، بما له وما عليه، على رغم كل ذلك إلا أن لجينات الجغرافيا ما يفسر مثل هذا التفاوت والاستثناء، في ظهور الكتّاب والمبدعين، من حيث الكم والكيف في منطقة، وانحسارهم في أخرى، وبهذا المعنى هل يمكننا أن نقول إن للجغرافيا، أي المكان بمفهومه الفلسفي المعقد، جينات معينة تشتغل بصورة مستترة وغير معروفة، على ظاهرة نشوء المبدعين أو غيابهم؟
وإذا ما حاولنا تأمل خريطة الجزائر الترابية في علاقتها بخريطة توزع الكتّاب والمبدعين، أي انتماؤهم إلى هذه الجهة أو تلك، فإننا سنكتشف مناطق بعينها عرفت بكثرة كتّابها وفنانيها عبر التاريخ، وهذا لا يعني أن الجهات الأخرى جغرافيتها عاقر، لكن ما أريد الإشارة إليه هو أن مناطق تحولت إلى ما يشبه الظاهرة التاريخو-ثقافية، وأكيد أن مثل هذه الظاهرة موجودة أيضاً في بلدان أخرى، سواء في الجنوب أو الشمال.
ومثلما قد تكون بعض المناطق معروفة بكثرة كتّابها ومبدعيها، فهناك جغرافيات أخرى قد تكون معروفة بكثرة عبقريات أخرى، في مجالات أخرى، مثل التجارة والعسكرية والفلاحة والهجرة، وما إلى ذلك من الممارسات الحياتية، ويمكن تحديد أربع مناطق في الجزائر معروفة ومميزة بظاهرة كثرة الكتّاب والمبدعين، وهذا لا يقلل من أهمية المناطق الأخرى التي أعطت أسماء كبيرة، ولكنها ليست كثيرة، وما نقدمه هنا لا علاقة له بمسألة التفضيل أو الحكم، بل هو عبارة عن ملاحظات سوسيو-ثقافية، مرتبطة بتاريخ إنتاج الـ “أنتليجنسيا” الإبداعية، وهو ليس أكثر من محاولة قراءة السرّ المكنون للجغرافيا، وعلاقتها بإنتاج الكتّاب والمبدعين.
أما الجهات الأربع التي لاحظت بأنها أكثر تميزاً من غيرها في إنتاج الكتّاب والمبدعين، على مر السنين من حيث الكم والتواتر فهي:
أولاً منطقة بسكرة (سيدي خالد، طولقة، سيدي عقبة، الدوسن، أمّاش) فهذه الجغرافيا لها أسرارها في إنتاج كثير من الكتّاب والشعراء باللغة الفصحى والعامية حد التميز الواضح، ومن بين هذه الأسماء التي يحفظها التاريخ ومن أجيال متلاحقة نذكر محمد العيد آل خليفة ومحمد بن قيطون والشيخ السماتي والطاهر بلخيري والزاهري وأبو القاسم خمار وعثمان لوصيف وعلي مغازي والطيب لسلوس ومحمد الصالح حرز الله وبوزيد حرز الله وحميد قرين ومحمد بلحي وغيرهم.
ثانياً: منطقة القبائل، بالأساس أزفون، وأث يني (بني يني) وغيرها، وقد أعطت هذه المنطقة بصورة مميزة مئات الكتّاب بلغات عدة ومستويات عالية وعالمية، من أمثال سي محند أومحند ومولود معمري ومحمد أركون ومولود فرعون وبلعيد آيت علي ومالك واري ونبيل فارس والطاهر جاووت وسعيد مقبل وفاطمة آيت منصور عمروش ووطاوس عمروش وجان عمروش والحاج العنقا وعمار مزداد ورشيد عليش ويوسف مراحي وجمال لعصب وحميد بيلاك وأرزقي مترف وسالم زانيا وسعيد ومحمد إقربوشن وإدير وآيت منقلات ومحمد أرزقي فراد وأكلي تاجر ويوسف زيرام وديهية لويز ولحسن مريش وعديلة كاتيا ويونس عدلي وليندا كوداش وفروجة أوسمر وسعيد بوستة وغيرهم.
ثالثاً: منطقة بشار (القنادسة بالأساس) وقد منحتنا هذه البقعة الجغرافية الصغيرة، خصوصاً مجموعة من الكتّاب بمختلف الحساسيات الجمالية والفكرية والأجناسية، من أمثال الفيلسوف بيير رابحي والروائي ياسمينة خضرا (محمد مول السهول)، والكاتب والباحث رابح السبع ومليكة مقدم وعبد القادر هني ويوسف بن دخيس وعبدالقادر تيوتي وجميلة طلباوي ومحمد تحريشي وغيرهم.
رابعاً: منطقة تلمسان (ندرومة وامسيردا) عبر التاريخ أعطت هذه المنطقة أسماء كبيرة في الشعر والرواية والبحث والموسيقى الأندلسية، نذكر منها قدور بن عاشور ومحمد بن مسايب ومحمد ديب ومحمد سهيل ديب وجمال الدين بن الشيخ وعبدالمجيد مزيان وعبدالملك مرتاض وعبدالجليل مرتاض ومحمد مرتاض وعمار بلحسن ومدين بنعمر ومحمد مدين وربيعة جلطي والشيخ الغافور وعبدالملك واسطي وحكيم ميلود وعبدالوهاب بن منصور ورضوان بن صاري والعربي بن صاري وعبدالقادر السيكتور ولطيفة بن منصور والأعرج واسيني وعمار يزلي وبلقاسم بن عبدالله وفايزة قن وأم سهام (عمارية بلال)، ورشيد بن مالك وسيدي محمد بن مالك ومحمد بكاي وغيرهم، وهناك مناطق أخرى مميزة بوفرة كتّابها، مثل منطقة الجلفة ومليانة وجيجل وبوسعادة والأغواط وقسنطينة وغيرها، ولكل جغرافيا أسرارها، وسنعود للحديث عنها في فرصة لاحقة.
بين سلطة المكتسب المعرفي وجينالوجيا الجغرافيا
ما في ذلك شك، فالعامل المعرفي والسياسي المتوافر والمتداول في هذه المنطقة أو تلك يؤدي دوراً في صناعة سلسلة الكتّاب والفنانين، وفي شحذ وعيهم، وهذا شيء طبيعي ومؤكد ومرئي، لكن عامل الجغرافيا يمنح الكتّاب جينات إحساس مميز وخاص ولا مفكر فيه، وهو ما يصنع هذا التراكم وهذا التواتر، والملاحظ أيضاً أن كل منطقة جغرافية تفرض بعض الخصوصيات الجمالية واللغوية والسياسية على تجارب كتّابها ومبدعيها، وحتى ولو هاجر الكاتب منطقته الجغرافية ليقيم في أرض أخرى، فإنها ستظل تسكنه وتنهض في أحلامه ونصوصه بصورة عفوية.
كلما دخلنا منطقة جغرافية معينة، تتوافر على مجموعة من المقومات الطبيعة والفلاحية والمناخية، نشعر بأننا أمام سجل كتّابة أدبية بخصوصية جمالية معينة وبوعي سياسي أو ديني مختلف، فكل منطقة جغرافية لها علاقة معينة باختيار لغة الكتّابة، فهناك منطقة يغلب عل كتّابها استعمال العربية، وأخرى استعمال الدارجة، وثالثة استعمال الأمازيغية، ورابعة استعمال الفرنسية.
ومع أننا قد نجد اختلافات في التوجهات السياسية والأيديولوجية، وربما الجمالية أيضاً، لكتّاب ينتمون لمنطقة واحدة، وهذا يعود للمكتسب المعرفي والسياسي واللغوي والديني لكل كاتب، لكننا لو حفرنا أكثر في لا وعي الكتّابة وبياضها فسنجد ما يمكن أن نسميه بجينات الجغرافيا، في الإبداع والكتّابة التي ورثوها مثلما تورث جينات شجرة السلالة، والتي تظل حاضرة في اللاوعي.






