حرية
بينما تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ250 لإعلان استقلالها في الرابع من تموز/يوليو، يتجاوز الجدل حدود الاحتفالات التقليدية ليطرح سؤالاً أعمق: من يكتب الرواية الوطنية، وكيف يُروى التاريخ؟ ففي ظل الانقسام السياسي الحاد الذي يطبع الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، تحولت المناسبة من احتفال جامع إلى ساحة جديدة للصراع حول الهوية الأميركية والذاكرة الوطنية.
ورغم أن عيد الاستقلال يُعد أحد أبرز المناسبات التي توحد الأميركيين سنوياً عبر المسيرات والألعاب النارية والاحتفالات الشعبية، فإن المشهد هذا العام يبدو مختلفاً، مع اتهامات لترمب بالسعي إلى احتكار السردية الوطنية وإضفاء طابع سياسي على مناسبة تاريخية يفترض أن تكون جامعة.
وقالت المؤرخة في جامعة ييل، بيفرلي غيغ، إن الاحتفال نفسه أصبح قضية سياسية وحزبية، مشيرة إلى أن حجم التشاؤم داخل المجتمع الأميركي بلغ مستويات غير مسبوقة.
وأظهر استطلاع أجرته “رويترز” و”إبسوس” أن نحو 20% من الأميركيين لا يعتزمون الاحتفال بعيد الاستقلال هذا العام، بينهم ربع الديمقراطيين و8% من الجمهوريين، فيما أعرب اثنان من كل خمسة أميركيين عن شكوكهم في قدرة البلاد على الاستمرار بالقوة نفسها خلال الـ250 عاماً المقبلة.
انقسام يتجاوز السياسة
وتعكس مواقف المواطنين عمق الانقسام داخل المجتمع الأميركي. فالمعلمة المتقاعدة بيتسي هالسي أعلنت أنها لن تشارك في الاحتفالات بسبب اعتراضها على سياسات ترمب، رغم احتفاظها بتذكارات احتفالات الذكرى المئوية الثانية للاستقلال عام 1976.
في المقابل، يرى الجمهوري دان مارازو أن الولايات المتحدة تشهد ازدهاراً في عهد ترمب، ويعتبر أن المناسبة تستحق الاحتفال بعيداً عن الخلافات السياسية.
وتُجسد مقاطعة باكس في ولاية بنسلفانيا هذا الانقسام، بعدما تحولت إلى نموذج مصغر للاستقطاب السياسي والثقافي الذي يهيمن على الولايات المتحدة، خصوصاً بعد فوز ترمب فيها بفارق ضئيل خلال انتخابات 2024.
ترمب وصناعة الرواية الرسمية
ومع اقتراب الاحتفال، عزز البيت الأبيض حضوره في تنظيم الفعاليات عبر مبادرة “Freedom 250” التي أطلقتها إدارة ترمب، بالتوازي مع لجنة “America 250” التي شكّلها الكونغرس منذ سنوات للإشراف على المناسبة.
ويتصدر برنامج الاحتفالات معرض “Great American State Fair” في العاصمة واشنطن، والذي افتتحه ترمب بتجمع جماهيري أقرب إلى مهرجان انتخابي، على أن يعود لإحياء فعالية أخرى في الرابع من يوليو، وهو ما دفع منتقديه إلى اتهامه بتسييس المناسبة الوطنية وتحويلها إلى منصة لتعزيز حضوره السياسي.
كما رفضت ولايات ذات أغلبية ديمقراطية وعدد من الفرق الموسيقية المشاركة في بعض الفعاليات، اعتراضاً على ارتباطها المباشر بالرئيس، بينما تعتزم دار سك العملة الأميركية إصدار عملة تذكارية تحمل صورة ترمب، ما أثار مزيداً من الجدل.
التاريخ بين السياسة والحقائق
ويرى مؤرخون أن الجدل الحالي ليس الأول من نوعه، إذ تزامنت احتفالات أميركية سابقة مع أزمات داخلية كبرى؛ ففي عام 1876 جاءت الذكرى بعد الحرب الأهلية، بينما تزامنت احتفالات عام 1976 مع تداعيات حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت.
وتقول بيفرلي غيغ إن الأميركيين كثيراً ما يسيئون تقدير اللحظة التاريخية التي يعيشونها، مشيرة إلى أن فترات الأزمات العميقة غالباً ما أعقبتها تحولات تاريخية كبيرة.
وفي متنزه واشنطن كروسينغ التاريخي، الذي شهد عبور جورج واشنطن نهر ديلاوير عام 1776 في واحدة من أبرز محطات حرب الاستقلال، تؤكد إدارة الموقع أنها تعمل على تقديم رواية تاريخية أكثر شمولاً، تتناول أدوار النساء والجنود السود والمدنيين، بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وقالت المديرة التنفيذية للمتنزه، جينيفر مارتن، إن الحفاظ على دقة السرد التاريخي يمثل أولوية، مضيفة: “من المهم أن نروي قصصاً دقيقة، وألا نسمح للمناخ السياسي بأن يحدد الطريقة التي نروي بها تاريخنا.”
هل يوحّد الرابع من يوليو الأميركيين؟
ورغم حدة الانقسامات، يعتقد بعض الأميركيين أن عيد الاستقلال ما يزال يمتلك القدرة على جمع المواطنين ولو ليوم واحد.
ويقول جون جودزيبا، وهو شرطي متقاعد يجسد شخصية جورج واشنطن في العروض التاريخية منذ أكثر من 15 عاماً: “ربما يعود الجميع إلى خلافاتهم في الخامس من يوليو، لكنني أعتقد أنهم سيجتمعون في الرابع من يوليو للاحتفال بتاريخ بلادهم.”
وبين الاحتفاء بالماضي والجدل حول الحاضر، تبدو الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة مناسبة لا تعكس تاريخ الأمة فحسب، بل تكشف أيضاً حجم الصراع الدائر حول هويتها ومستقبلها، ومن يمتلك حق صياغة الرواية الوطنية للأجيال المقبلة.







