حرية
كشف مصدر مطلع، اليوم الاثنين، عن وصول لجنة دولية تضم خبراء أميركيين وأجانب إلى العاصمة بغداد، للمشاركة في جهود تتبع الأموال العراقية المهربة أو المسروقة، في خطوة قد تنقل حملة مكافحة الفساد من ملاحقة المتهمين داخل مؤسسات الدولة إلى تعقب مسارات الأموال نفسها وملاحقة المستفيدين النهائيين منها.
وقال المصدر، إن اللجنة وصلت إلى بغداد قبل أيام، وتضم خبراء متخصصين في حركة الأموال، ولا سيما التحويلات المرتبطة بالدولار، بهدف مساعدة الجهات العراقية المختصة على تحديد مسارات الأموال المسروقة، وكشف الجهات والأشخاص المتورطين في عمليات الاستيلاء على المال العام وتهريبه إلى الخارج.
وأضاف أن الخبراء باشروا العمل بالتنسيق مع فرق مكافحة الفساد، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد إجراءات بحق عدد من كبار المتورطين، ممن وصفهم المصدر بـ«حيتان الفساد»، مؤكداً أن الملاحقات لن تقتصر على وزراء أو وكلاء وزارات ومديرين عامين، وإنما ستتجه نحو الأشخاص والجهات التي يُعتقد أنها تقف خلف عمليات سرقة المال العام أو تدير مسارات تهريبه.
وأشار المصدر إلى استمرار ما وصفها بـ«صولة الفجر» لمكافحة الفساد، مؤكداً أن الحملة لن تتوقف قبل استكمال التحقيقات وكشف المتورطين، فيما تخضع الأموال التي جرى استردادها من بعض المدانين إلى عمليات تدقيق وفحص فني لتحديد مصدرها الأول، قبل إدخالها وفق الإجراءات الرسمية إلى خزينة الدولة.
من ملاحقة الموظف إلى تعقب المال
اللافت في هذه الخطوة أن جوهر الحملة يبدو متجهاً من ملاحقة الحلقة التنفيذية للفساد إلى تفكيك الشبكات المالية التي تقف خلفها.
ففي قضايا الفساد الكبرى، لا تكمن المشكلة دائماً في الشخص الذي يوقع المعاملة أو يحول الأموال، وإنما في معرفة أين ذهبت الأموال بعد خروجها من الخزينة، ومن حصل عليها، وما إذا كانت قد انتقلت عبر شركات أو حسابات وسيطة أو عقارات واستثمارات قبل إخراجها من العراق.
ولهذا فإن الاستعانة بخبراء متخصصين في حركة الأموال يمكن أن تمنح التحقيقات العراقية قدرة أكبر على الانتقال من سؤال: من سرق؟ إلى سؤال أكثر أهمية: أين ذهبت الأموال ومن المستفيد الحقيقي منها؟
وهذه النقلة، إذا ما اقترنت بأدلة مصرفية وقضائية قابلة للاعتماد، يمكن أن تجعل ملفات الفساد أكثر قوة أمام القضاء، خصوصاً في القضايا التي يكون فيها المتهمون من أصحاب النفوذ أو القادرين على إخفاء الأموال خلف واجهات تجارية واستثمارية.
الإنتربول يوسع دائرة الملاحقة
من جهته، أكد القيادي في ائتلاف النصر سلام الزبيدي أن الحكومة تتعاون مع جهات ولجان دولية متخصصة في مكافحة الفساد واسترداد الأموال، مشيراً إلى وجود جهود للتنسيق مع الشرطة الدولية «الإنتربول» بهدف ملاحقة متورطين كبار يحملون عناوين سياسية وحكومية سابقة، بينهم وزراء سابقون.
ويعكس هذا المسار إدراكاً بأن جزءاً من الأموال المسروقة قد يكون خرج بالفعل من الأراضي العراقية، وبالتالي فإن القضاء والجهات الرقابية المحلية وحدها قد لا تكون قادرة على استعادتها من دون تعاون دولي.
لكن نجاح هذا التعاون سيبقى مرتبطاً بوجود ملفات قضائية مكتملة وأدلة مالية دقيقة وأحكام أو مذكرات قبض قابلة للتنفيذ دولياً، فضلاً عن قدرة العراق على إثبات الصلة بين الأموال والأشخاص المطلوبين.
هل تقترب «الحيتان» فعلاً؟
الحديث عن قرب اعتقال شخصيات كبيرة يمثل الجزء الأكثر حساسية في المعلومات المتداولة، لأن مكافحة الفساد في العراق لطالما اصطدمت باتهامات تتعلق بانتقائية الملاحقة أو توقف الملفات عند المستويات الإدارية الأدنى.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للحملة لن يكون في عدد الموظفين الذين يتم توقيفهم، وإنما في مدى وصولها إلى أصحاب القرار والمستفيدين النهائيين من الأموال.
كما أن استرداد الأموال لا يقل أهمية عن الاعتقالات، لأن السجن وحده لا يعيد إلى الدولة ما فقدته. فالهدف النهائي لأي حملة حقيقية لمكافحة الفساد يجب أن يكون استعادة المال العام، وتجفيف شبكات تهريبه، ومنع إعادة تدوير الأموال المسروقة داخل الاقتصاد.
«صولة الفجر» أمام اختبار مختلف
إذا صحت المعلومات بشأن طبيعة عمل اللجنة الدولية، فإن الحملة تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على الدمج بين التحقيق الجنائي والتحليل المالي والتعاون الدولي.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد التركيز على الحسابات المصرفية، والتحويلات الخارجية، والشركات الوهمية، والعقارات، والاستثمارات، والوسطاء الماليين، بدلاً من الاقتصار على التحقيق في الوثائق الإدارية داخل مؤسسات الدولة.
والأهم أن إعلان أسماء المتورطين، في حال اكتمال الأدلة، سيكون اختباراً حقيقياً لمبدأ «لا أحد مستثنى من القانون».
فإذا وصلت التحقيقات إلى شخصيات نافذة أو مسؤولين سابقين وحاليين، وتم التعامل معهم بالإجراءات القانونية ذاتها التي تطبق على الموظفين والمتهمين الآخرين، فقد تتحول «صولة الفجر» من حملة اعتقالات إلى مشروع مؤسسي لاسترداد المال العام وتفكيك اقتصاد الفساد.
أما إذا بقيت الملاحقات عند مستوى الموظفين والمسؤولين التنفيذيين، فإن الحديث عن «حيتان الفساد» سيظل مجرد عنوان سياسي، بينما تبقى الأموال الحقيقية بعيدة عن متناول الدولة.







