حرية | إعداد: قسم التحليل السياسي والأمني- قسم الاخبار
رغم امتلاك العراق أسطولًا من مقاتلات F-16 Fighting Falcon، لا تزال سماؤه عرضة لاختراقات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في مفارقة تعكس فجوة واضحة بين امتلاك السلاح المتقدم والقدرة الفعلية على حماية الأجواء هذه المفارقة لا ترتبط بقدرات الطائرة نفسها بقدر ما ترتبط بطبيعة التهديدات وبنية منظومة الدفاع الجوي في البلاد.
تعتمد مقاتلات F-16 العراقية، المتمركزة في قاعدة بلد الجوية، على قدرات متقدمة في تنفيذ الضربات الجوية الدقيقة وفرض نوع من الردع، وقد أثبتت فعاليتها خلال الحرب ضد تنظيم داعش في دعم القوات البرية واستهداف المواقع المعادية بدقة عالية.
لكن طبيعة التهديدات الحالية تغيّرت بشكل جذري. فالعراق لا يواجه اليوم جيوشًا نظامية أو طائرات مقاتلة تقليدية، بل يواجه تهديدات غير متناظرة تتمثل في:
طائرات مسيّرة صغيرة ومنخفضة الارتفاع
صواريخ قصيرة المدى
منصات إطلاق متنقلة يصعب تتبعها
هذه التهديدات تتميز بسرعة التنفيذ وصغر الحجم وانخفاض البصمة الرادارية، ما يجعل اكتشافها واعتراضها أكثر تعقيدًا، ويقلل من فعالية الطائرات المقاتلة في التعامل معها بشكل فوري.
في هذا السياق، لا تمثل F-16 وسيلة دفاع جوي دائم، بل أداة ردع وضرب لاحق. فهي تحتاج إلى إنذار مبكر وتوجيه دقيق، كما أن زمن استجابتها لا يتناسب مع طبيعة التهديدات السريعة التي قد تصل إلى أهدافها خلال دقائق.
تكمن المشكلة الأساسية في غياب منظومة دفاع جوي متكاملة متعددة الطبقات فالعراق يفتقر إلى:
شبكة رادارية حديثة تغطي كامل الأجواء وتستطيع كشف الأهداف الصغيرة
أنظمة دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى مخصصة لاعتراض المسيّرات والصواريخ
منظومة قيادة وسيطرة موحدة تربط بين الكشف والاعتراض بشكل فوري
هذا النقص يؤدي إلى تأخر اكتشاف التهديدات، وبالتالي تأخر التعامل معها، ما يفتح المجال أمام اختراقات متكررة.
يزداد المشهد تعقيدًا مع وجود منصات إطلاق داخلية أو قريبة من المناطق المدنية، وهو ما يقيّد عمليات الاستهداف الوقائي، ويحوّل التهديد إلى مسألة أمنية داخلية بقدر ما هو تحدٍ عسكري.
كما أن الاعتماد الجزئي على الدعم الفني الخارجي في تشغيل وصيانة الطائرات يضيف بُعدًا آخر للتحدي، حيث تتأثر الجاهزية بأي متغير سياسي أو أمني.
إن حماية سماء العراق لا يمكن أن تتحقق عبر الطائرات المقاتلة وحدها، بل تتطلب بناء منظومة دفاع جوي متكاملة تقوم على:
تطوير قدرات الإنذار المبكر والرصد
نشر أنظمة دفاع جوي أرضية قصيرة ومتوسطة المدى
توحيد مراكز القيادة والسيطرة
تعزيز العمل الاستخباري لتحديد مصادر التهديد قبل إطلاقه
ضمن هذه المنظومة، تلعب F-16 دورًا مهمًا، لكنها تبقى جزءًا من شبكة أوسع، لا بديلاً عنها.
تمتلك العراق اليوم قدرة جوية متقدمة، لكنه لا يمتلك بعد منظومة حماية متكاملة لأجوائه. وبين سلاح متطور وتهديدات غير تقليدية، تبقى السماء مكشوفة جزئيًا، بانتظار قرار استراتيجي يعيد بناء الدفاع الجوي على أسس حديثة تواكب طبيعة التحديات الجديدة.








