حرية
تكشف أحدث بيانات حركة الملاحة في مضيق هرمز عن استمرار حالة الاضطراب التي يعيشها أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مع تفضيل غالبية السفن تجنب المسار المدعوم من الولايات المتحدة، في مؤشر يعكس حجم المخاطر التي باتت تحيط بالملاحة التجارية وسط التصعيد الأميركي الإيراني.
وأظهرت بيانات منصة كبلر لتتبع السفن أن سفينتين فقط من أصل 166 عملية عبور سلكتا المسار المدعوم من الولايات المتحدة، فيما اختارت نسبة كبيرة من السفن المسار الذي تديره إيران، بينما أقدمت نحو نصف السفن التي عبرت المضيق خلال آب/أغسطس الجاري على إخفاء بياناتها الملاحية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن شركات الشحن لا تزال تتعامل مع المضيق باعتباره منطقة عالية المخاطر، إذ يبدو أن إخفاء بيانات الملاحة أو اختيار المسار الإيراني يمثل بالنسبة لبعض السفن وسيلة لتقليل احتمالات التعرض للتوقيف أو التدخل من جانب القوات الأميركية.
الملاحة تنكمش والخيارات تضيق
وتأتي هذه التطورات بعد تراجع حاد في حركة السفن عبر المضيق، إذ أظهرت بيانات كبلر، التي نقلتها رويترز، عبور ست سفن فقط خلال إحدى الفترات الأخيرة، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد انخفاض عابر في حركة الشحن، بل تشير إلى أن الأزمة بدأت تعيد رسم سلوك شركات النقل البحري، التي باتت أمام خيارات محدودة بين استخدام مسارات تخضع لتأثير إيران، أو مسارات مدعومة من الولايات المتحدة، أو تجنب المرور عبر المضيق قدر الإمكان.
ترمب: هرمز تحت السيطرة الأميركية
وفي مقابل هذا الواقع الملاحي، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع سقف التحدي، مؤكداً أن الولايات المتحدة تسيطر بشكل كامل على مضيق هرمز، وأن إيران غير قادرة على تغيير هذا الواقع.
وتحاول واشنطن من خلال الحصار البحري فرض واقع جديد في أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية، في وقت تعتبر فيه طهران أن أي ترتيبات للملاحة يجب أن تكون جزءاً من صفقة أوسع تتضمن رفع القيود المفروضة عليها وتنفيذ التزامات أميركية أخرى.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن قواتها، منذ استئناف الحصار البحري على إيران في 14 تموز/يوليو، قامت بتحويل مسار 55 سفينة تجارية حاولت اختراق الحصار، وتعطيل ثلاث سفن وإيقاف سفينتين.
نصف السفن تخفي هويتها الملاحية
الأكثر دلالة في بيانات الملاحة هو ارتفاع عمليات إخفاء بيانات السفن، إذ تشير بيانات كبلر إلى أن نحو نصف السفن التي عبرت المضيق خلال آب/أغسطس اختارت إيقاف أو إخفاء بيانات التتبع.
وهذه الظاهرة تحمل دلالة أمنية واقتصادية في آن واحد؛ فاختفاء إشارات التتبع لا يعني بالضرورة أن السفن تعمل بصورة غير قانونية، لكنه يعكس ارتفاع مستوى الحساسية الأمنية لدى شركات الملاحة، ورغبتها في تقليل قدرة الأطراف المتصارعة على تحديد مواقعها ومساراتها بصورة فورية.
هرمز لم يعد مجرد ممر نفطي
وتتجاوز أهمية مضيق هرمز مسألة حركة السفن، فهو ممر استراتيجي تمر عبره نسبة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية، ولذلك فإن استمرار اضطراب الملاحة فيه يهدد بإحداث تأثيرات متسلسلة على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا أصبح مستقبل المضيق واحداً من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات الأميركية الإيرانية. فإعادة فتح الممر بصورة طبيعية تحتاج إلى تفاهم بين الطرفين، بينما يؤدي استمرار الحصار إلى إبقاء حركة التجارة والطاقة تحت ضغط سياسي وأمني متواصل.
هرمز ورقة تفاوض لا مجرد معركة بحرية
المعادلة الحالية تشير إلى أن مضيق هرمز تحول من ممر تجاري إلى أداة ضغط استراتيجية متبادلة.
فالولايات المتحدة تستخدم السيطرة البحرية والحصار لفرض شروطها على طهران، بينما تتمسك إيران بنفوذها على الممر لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات تتعلق بالعقوبات والموانئ والأصول المجمدة والملف النووي.
وبينما يؤكد ترمب أن واشنطن تملك السيطرة الكاملة على المضيق، تكشف حركة السفن أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة عودة الملاحة الطبيعية. فحين تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو إخفاء بياناتها، تصبح كلفة السيطرة على الممر أعلى من مجرد فرض وجود عسكري فيه.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي للولايات المتحدة وإيران لن يكون في عدد السفن التي تستطيع واشنطن اعتراضها أو عدد المسارات التي تستطيع طهران التحكم بها، وإنما في قدرة الطرفين على تحويل مضيق هرمز من ساحة مواجهة وضغط اقتصادي إلى ممر آمن ومستقر للتجارة العالمية.







