حرية
رغم التوسع غير المسبوق في استخدام الولايات المتحدة للعقوبات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، نجحت دول مثل إيران وروسيا وكوريا الشمالية في تطوير آليات معقدة للالتفاف على هذه العقوبات، ما أثار نقاشاً متزايداً داخل واشنطن حول مدى فاعلية هذه الأداة في تحقيق أهدافها السياسية.
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن إيران تمكنت من الحفاظ على تدفقات مالية ضخمة عبر استمرار صادراتها النفطية رغم القيود الأمريكية، حيث قُدرت عائداتها النفطية بنحو 43 مليار دولار خلال عام 2024. وقد دفع ذلك الإدارة الأمريكية إلى تشديد إجراءاتها عبر استهداف الموانئ وشبكات النقل البحري المرتبطة بتصدير النفط الإيراني.
ولا يقتصر الأمر على إيران، إذ أصبحت العقوبات الأمريكية أكثر انتشاراً خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الإدراجات السنوية على قوائم العقوبات من 880 حالة عام 2017 إلى أكثر من 3 آلاف حالة في عام 2024، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.
ورغم هذا التوسع، لا تزال العديد من الأنظمة الخاضعة للعقوبات قادرة على الصمود. فـكوريا الشمالية واصلت تطوير برامجها العسكرية والنووية، بينما تمكنت روسيا من التكيف مع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، كما حافظت حكومات أخرى في فنزويلا وكوبا وميانمار على بقائها رغم سنوات طويلة من العقوبات.
تكتيكات الالتفاف على العقوبات
تعتمد الدول المستهدفة على مجموعة من الأدوات لتقليل تأثير العقوبات، أبرزها:
- إنشاء شركات واجهة وشبكات مالية خارجية لإخفاء مصادر الأموال وتحويلها.
- استخدام وسطاء تجاريين في دول ثالثة لإعادة تصدير السلع والمواد المحظورة.
- توسيع الاعتماد على العملات المشفرة لتجاوز النظام المالي التقليدي.
- استخدام “أساطيل الظل” من السفن التي تغير أعلامها أو بياناتها لتفادي المراقبة.
- تطوير أنظمة دفع بديلة تقلل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
وفي هذا السياق، تقول السلطات الأمريكية إن كوريا الشمالية استطاعت جمع مليارات الدولارات عبر عمليات مرتبطة بالعملات الرقمية، فيما استخدمت روسيا شبكات تجارية تمر عبر دول مثل أرمينيا وكازاخستان وأذربيجان للحفاظ على تدفق السلع والتكنولوجيا إلى اقتصادها.
مراجعة أمريكية لسياسة العقوبات
تعترف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن منظومة العقوبات تحتاج إلى مراجعة. فبينما ترى واشنطن أن العقوبات لعبت دوراً في دفع إيران نحو التفاوض وألحقت خسائر كبيرة بروسيا، يعتقد عدد من المسؤولين والخبراء أن الإفراط في استخدامها قد يدفع الدول المستهدفة إلى بناء بدائل دائمة تقلل النفوذ الأمريكي على المدى الطويل.
وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن العقوبات الأكثر فعالية هي تلك التي تكون محددة الهدف ومقيدة بإطار زمني واضح، محذراً من أن العقوبات طويلة الأمد قد تنتج آثاراً عكسية غير مقصودة.
قراءة تحليلية: هل تفقد العقوبات الأمريكية فعاليتها؟
لا تشير الوقائع إلى فشل العقوبات بالكامل، لكنها تكشف حدود قدرتها على إسقاط الأنظمة أو تغيير السياسات الاستراتيجية للدول الكبرى.
فالعقوبات غالباً ما تنجح في:
- إبطاء النمو الاقتصادي.
- رفع تكاليف التمويل والتجارة.
- تقليص الاستثمارات الأجنبية.
- إضعاف العملات المحلية.
لكنها غالباً لا تنجح وحدها في:
- إسقاط الحكومات.
- وقف البرامج العسكرية أو النووية.
- تغيير التوجهات الجيوسياسية للدول المستهدفة.
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام واشنطن اليوم لا يتمثل في فرض عقوبات جديدة، بل في الحفاظ على قدرتها على إنفاذها في عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد مراكز القوة الاقتصادية والمالية.







