حرية
كشفت بغداد ودمشق عن توجه استراتيجي لإعادة إحياء خط أنابيب النفط التاريخي “كركوك – بانياس”، ضمن مشروع إقليمي طموح يهدف إلى نقل ما يصل إلى مليون برميل نفط يومياً، في خطوة قد تعيد رسم خريطة تصدير الطاقة في المنطقة وتمنح العراق منفذاً إضافياً بعيداً عن التحديات التي تواجه طرق التصدير التقليدية.
وجاء الإعلان خلال جلسة حوارية عقدت في العاصمة الأميركية واشنطن على هامش إطلاق “مبادرة البحار الأربعة”، حيث أكد السفير العراقي لدى الولايات المتحدة نزار الخير الله، والقائم بالأعمال السوري محمد قناطري، أن المشروع دخل مرحلة التخطيط الاستراتيجي مع وجود رؤية مشتركة لتوسيعه ليشمل النفط والغاز والكهرباء.
وقال الخير الله إن خط كركوك – بانياس، الممتد لمسافة تقارب 800 كيلومتر، يمكن أن يتحول من مشروع نفطي تقليدي إلى ممر إقليمي متكامل للطاقة، مشيراً إلى أن المباحثات الحالية تستهدف رفع طاقته التصديرية من مستواه التاريخي البالغ نحو 300 ألف برميل يومياً إلى مليون برميل يومياً.
بديل استراتيجي في زمن أزمات الممرات البحرية
يأتي المشروع في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز وباب المندب، اللذين يمثلان الشريان الرئيسي لصادرات النفط في الخليج.
ومن هذا المنطلق، ترى بغداد أن إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس لا تمثل مجرد مشروع اقتصادي، بل خياراً استراتيجياً لتنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية التي باتت عرضة للتوترات العسكرية والإغلاقات المؤقتة.
كما كشف السفير العراقي عن وجود رؤية لربط حقول جنوب العراق بالخط مستقبلاً، ما يعني أن المشروع قد يتحول إلى شبكة وطنية للتصدير وليس مجرد منفذ خاص بنفط كركوك.
استثمارات ضخمة وعوائد طويلة الأمد
بحسب التصريحات الرسمية، فإن تكلفة إعادة تأهيل الخط تقدر بنحو 8 مليارات دولار، وهو رقم يعكس حجم الأضرار التي تعرض لها المشروع خلال العقود الماضية، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى الرهان الكبير على العوائد الاقتصادية المتوقعة.
فالعراق سيحصل على منفذ مباشر نحو البحر الأبيض المتوسط، ما يختصر المسافات إلى الأسواق الأوروبية ويمنح صادراته مرونة أكبر، فيما تستفيد سوريا من رسوم العبور والاستثمارات المصاحبة للمشروع، فضلاً عن فرص تطوير قطاعات الطاقة والبنى التحتية.
من النفط إلى التكامل الاقتصادي
اللافت في التصريحات العراقية والسورية أن المشروع لم يعد مقتصراً على تصدير النفط الخام فقط، بل يجري الحديث عن شراكات في مجالات الغاز الطبيعي والبتروكيماويات والربط الكهربائي.
وهذا يعكس توجهاً جديداً نحو بناء منظومة تكامل اقتصادي إقليمي، تتجاوز مفهوم خطوط الأنابيب التقليدية إلى إنشاء شبكة طاقة مترابطة تربط العراق وسوريا وربما دولاً أخرى في المنطقة.
أبعاد سياسية وجيوسياسية
يحمل المشروع أبعاداً سياسية لا تقل أهمية عن أبعاده الاقتصادية. فبغداد تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه جزءاً من أمنها القومي، بينما ترى دمشق في التعاون مع العراق فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي بعد سنوات طويلة من التحديات.
كما أن المشروع ينسجم مع توجهات إقليمية أوسع تهدف إلى إيجاد ممرات بديلة للطاقة والتجارة بعيداً عن نقاط الاختناق البحرية التي أصبحت محوراً للصراعات الدولية.
الخلاصة
إحياء خط كركوك – بانياس لا يمثل مجرد إعادة تشغيل لأنبوب نفطي قديم، بل مشروعاً استراتيجياً قد يغيّر خريطة صادرات الطاقة العراقية خلال السنوات المقبلة. وإذا نجحت بغداد ودمشق في تجاوز التحديات الأمنية والتمويلية والقانونية، فإن الخط قد يتحول إلى أحد أهم ممرات الطاقة في الشرق الأوسط، ويوفر للعراق منفذاً حيوياً نحو البحر المتوسط في وقت تتزايد فيه المخاطر على طرق التصدير التقليدية عبر الخليج.






