حرية
أعلنت هيئة السلوك المالي البريطانية عن إطلاق أول إطار تنظيمي متكامل لتنظيم شركات العملات المشفرة العاملة في المملكة المتحدة، في خطوة تستهدف تعزيز الاستقرار المالي، ورفع معايير إدارة المخاطر، وحماية المستثمرين من الممارسات غير المنظمة.
وبموجب القواعد الجديدة، التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في أكتوبر من العام المقبل، ستلتزم شركات العملات المشفرة بالاحتفاظ برؤوس أموال كافية لمواجهة الخسائر المحتملة الناجمة عن الأصول عالية المخاطر، إلى جانب إجراء اختبارات ضغط سنوية لقياس قدرتها على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية والمالية.
وأوضح المدير التنفيذي للمدفوعات والتمويل الرقمي في هيئة السلوك المالي، ديفيد جيال، أن الإطار الجديد يطبق المبادئ التنظيمية الأساسية المعتمدة في بقية القطاعات المالية، بما يضمن إخضاع الأنشطة التي تحمل المخاطر نفسها لمعايير رقابية متقاربة.
وستكون الشركات مسؤولة عن تقييم مستوى المخاطر في ميزانياتها لتحديد حجم رأس المال الواجب الاحتفاظ به، فيما ستجري الهيئة اختباراتها الرقابية الخاصة للتحقق من مدى التزام الشركات بمتطلبات الملاءة المالية.
وفي المقابل، خففت الهيئة بعض متطلبات رأس المال المتعلقة بالعملات المستقرة المرتبطة بالعملات التقليدية، استجابةً لمطالب القطاع، مع الإبقاء على التحذيرات بشأن المخاطر المرتفعة المرتبطة بالاستثمار في الأصول الرقمية.
وأكدت الهيئة أن المستثمرين قد يواجهون احتمال خسارة كامل أموالهم عند الاستثمار في العملات المشفرة، مشيرة إلى أن الإطار التنظيمي الجديد يهدف إلى الحد من عمليات الاحتيال والممارسات الضارة، دون أن يزيل المخاطر الجوهرية المرتبطة بهذا النوع من الأصول.
من جانبهم، يرى خبراء في قطاع الاستثمار أن التشريعات الجديدة تمثل خطوة مهمة نحو تنظيم السوق، لكنها لا تغير الطبيعة شديدة التقلب للعملات المشفرة، التي ما زالت ترتبط بالمضاربات والمخاطر العالية.
لماذا تتجه بريطانيا إلى تشديد الرقابة؟
تعكس الخطوة البريطانية تحولاً في طريقة تعامل الحكومات مع سوق العملات المشفرة، من مرحلة المراقبة إلى مرحلة التنظيم المؤسسي، بعد سنوات من النمو السريع للسوق وما رافقه من حالات انهيار وإفلاس وعمليات احتيال.
وتبرز عدة أهداف رئيسية وراء هذه الإجراءات:
- تعزيز الاستقرار المالي: تسعى السلطات البريطانية إلى التأكد من امتلاك الشركات احتياطيات مالية كافية تمكنها من مواجهة الأزمات وتقلبات الأسعار، بما يقلل من مخاطر انهيارها وتأثير ذلك على العملاء.
- تقريب تنظيم العملات المشفرة من القطاع المصرفي: فرض متطلبات رأسمالية واختبارات ضغط سنوية يعكس اتجاهاً لتطبيق معايير مشابهة لتلك المفروضة على البنوك والمؤسسات المالية، وهو ما يمنح السوق قدراً أكبر من الانضباط والشفافية.
- حماية المستثمرين: رغم تشديد الرقابة، تؤكد الهيئة أن التنظيم لا يضمن سلامة الاستثمار، بل يهدف إلى تقليل مخاطر الاحتيال وسوء الإدارة، مع استمرار احتمالية خسارة المستثمرين لأموالهم نتيجة التقلبات الحادة.
- دعم الابتكار دون التفريط بالرقابة: تخفيف بعض المتطلبات الخاصة بالعملات المستقرة يشير إلى محاولة تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار في قطاع التكنولوجيا المالية، والحفاظ على متطلبات السلامة والاستقرار.
تأتي الإجراءات البريطانية ضمن موجة عالمية لتشديد الرقابة على أسواق الأصول الرقمية، بعد أن أدركت السلطات المالية أن العملات المشفرة أصبحت جزءاً مؤثراً في النظام المالي العالمي. ومن المتوقع أن تسهم هذه القواعد في تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية بالسوق البريطانية، لكنها في المقابل سترفع كلفة الامتثال التنظيمي على الشركات، ما قد يدفع بعض المنصات الصغيرة إلى الاندماج أو الخروج من السوق.
وفي حال أثبت النموذج البريطاني نجاحه، فقد يشكل مرجعاً لأسواق أخرى تسعى إلى تنظيم قطاع العملات المشفرة، عبر الجمع بين تشجيع الابتكار المالي وتعزيز الرقابة وحماية المستثمرين دون حظر هذه الأصول بالكامل.







