حرية
تتجه إيران، وفق معطيات ومصادر نقلتها تقارير إعلامية، إلى توسيع حضورها في محيط البحر الأحمر عبر تعزيز علاقاتها العسكرية مع السلطات القائمة في بورتسودان، بالتزامن مع استمرار الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن وتصاعد الهجمات قرب باب المندب والساحل الغربي.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتعرض فيه مواقع ومنشآت ومخازن تابعة للحوثيين لضربات متكررة، ما يدفع الجماعة، بحسب مصادر أمنية، إلى إعادة ترتيب آليات تخزين ونقل المعدات والمكونات العسكرية، وتقليل الاعتماد على المواقع الثابتة.
وفي هذا السياق، قد يمثل الساحل السوداني، إذا صحت هذه المعطيات، مساحة إضافية لإيران لإعادة توزيع بعض أدوار الإسناد الفني واللوجستي المرتبطة بالحوثيين، بعيداً عن الأراضي اليمنية التي باتت أكثر عرضة للاستهداف.
بورتسودان في الحسابات الإيرانية
ونقلت مصادر مطلعة على ملفات أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي عن رصد اتصالات متزايدة بين جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ومسؤولين عسكريين وأمنيين في شرق السودان، بالتزامن مع تحركات مرتبطة بشحنات وأفراد وبرامج تعاون عسكري.
وبحسب هذه المعطيات، فإن تكرار النشاط المرتبط بالساحل السوداني أثار مخاوف أمريكية من احتمال تحول المنطقة إلى موطئ قدم إيراني أكثر ثباتاً على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
وتكمن أهمية الساحل السوداني بالنسبة إلى طهران في موقعه الجغرافي المقابل للجزء الغربي من البحر الأحمر، إذ يمكن أن يوفر، في حال تطور التعاون، نقاط اتصال وإسناد لا تعتمد بالكامل على المسار اليمني.
لكن هذه الفرضية تبقى مرتبطة بمدى قدرة إيران على تحويل التعاون العسكري مع السلطات السودانية إلى حضور طويل الأمد، في ظل التعقيدات السياسية والأمنية التي يعيشها السودان.
علاقة عسكرية بدأت خلال الحرب السودانية
وتعود العلاقات العسكرية بين إيران والقوات التابعة للسلطة في بورتسودان إلى سنوات الحرب الحالية، إذ تحدثت تقارير سابقة عن استخدام قوات عبد الفتاح البرهان مسيّرات إيرانية في العمليات العسكرية، إلى جانب تقارير عن وصول طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية عبر بورتسودان ووجود خبراء إيرانيين لتقديم الدعم الفني.
ومع استمرار الحرب السودانية، أصبح الدعم الخارجي أحد العوامل المؤثرة في قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار، ما جعل علاقات بورتسودان الخارجية جزءاً من الحسابات الإقليمية والدولية المرتبطة بالنزاع.
وهنا تبرز أهمية الساحل السوداني باعتباره أحد الأصول الاستراتيجية التي ما زالت تحت سيطرة السلطة في بورتسودان، الأمر الذي يمنحها ورقة جيوسياسية تتجاوز حدود الحرب الداخلية.
الحوثيون يبحثون عن بدائل
وفي اليمن، أدى استهداف مواقع ومخازن ومنشآت تابعة للحوثيين إلى دفع الجماعة، بحسب مصادر أمنية يمنية، إلى تشديد إجراءات إخفاء المعدات وتقليل الاعتماد على مخازن ثابتة.
كما تتحدث المصادر عن اتجاه نحو إدخال المعدات والمكونات بكميات أصغر وعبر قنوات متعددة، مع استمرار الاعتماد على شبكات مرتبطة بإيران للحصول على الخبرات والمساعدة الفنية.
وإذا استمرت الضربات على البنية العسكرية للحوثيين، فإن الحاجة إلى مسارات خارجية للإمداد والتدريب والصيانة قد تصبح أكثر أهمية، وهو ما يفسر، وفق هذه الرؤية، تنامي أهمية أي علاقات إيرانية على الساحل السوداني.
البحر الأحمر يتحول إلى ساحة نفوذ
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر وباب المندب، اللذين يمثلان أحد أهم الممرات البحرية العالمية لحركة التجارة والطاقة.
فإيران تمتلك بالفعل نفوذاً مباشراً عبر علاقتها بالحوثيين على الجانب الآسيوي من البحر الأحمر، بينما يوفر السودان موقعاً مقابلاً على الساحل الأفريقي. وأي تحول في طبيعة التعاون الإيراني السوداني قد يمنح طهران مجالاً أوسع للحركة في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم.
ومن هنا تأتي المخاوف الأمريكية؛ إذ إن تحول شرق السودان إلى نقطة إسناد محتملة لإيران أو الحوثيين سيعني أن التعامل مع تهديدات الملاحة لن يقتصر على اليمن، بل قد يمتد إلى الضفة الأفريقية للبحر الأحمر.
السودان يدفع ثمن التحالفات الخارجية
ويرى خبراء في الشأن الأفريقي أن اعتماد حكومة بورتسودان المتزايد على الدعم العسكري الخارجي قد يدفعها إلى الدخول في ترتيبات تتجاوز احتياجات الحرب السودانية المباشرة، خصوصاً إذا ارتبط هذا التعاون بموقع الساحل وممرات الملاحة الدولية.
وبهذا المعنى، فإن توسيع الحضور الإيراني في شرق السودان قد يحمل مكاسب عسكرية للسلطة في بورتسودان على المدى القصير، لكنه في المقابل قد يرفع كلفة العلاقة على المستوى الدولي، ويفتح الباب أمام ضغوط أمريكية وغربية أكبر.
كما أن ربط الساحل السوداني بالملف الإيراني والحوثي قد يحول الحرب السودانية من صراع داخلي على السلطة إلى جزء من صراع إقليمي أوسع على النفوذ والممرات البحرية.
من اليمن إلى السودان.. إعادة توزيع النفوذ
وتشير الصورة العامة إلى أن إيران، في حال تأكدت هذه التحركات واستمرت، لا تبحث فقط عن دعم حليفها الحوثي داخل اليمن، وإنما عن توسيع شبكة الإسناد حول البحر الأحمر بما يقلل مخاطر الاعتماد على نقطة واحدة.
لكن تحويل بورتسودان إلى مركز نفوذ إيراني ثابت لن يكون مهمة سهلة، لأن المنطقة تخضع لحسابات أمريكية ودولية معقدة، كما أن أي نشاط عسكري إيراني واسع فيها قد يجعل الساحل السوداني هدفاً للضغوط السياسية والأمنية.
وبذلك، تبدو المعادلة الجديدة في البحر الأحمر قائمة على صراع غير مباشر: إيران تحاول توسيع هامش حركتها، والحوثيون يبحثون عن مسارات بديلة، والسلطة في بورتسودان تحتاج إلى الدعم الخارجي، بينما تراقب واشنطن أي تحول يمكن أن يجعل الساحل السوداني امتداداً للنفوذ الإيراني والتهديدات المحيطة بباب المندب.







