د. سيف السعدي
طاولة إيران للمفاوضات وأحد أقوى أوراقها الضاغطة هو مضيق هرمز، الذي أربك حسابات الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم عن طريق تعطيل المرور عبر المضيق. وهذا بطبيعة الحال مخالف للقانون الدولي وقانون البحار لسنة 1982، لا سيما ما يتعلق بالمرور البريء والعابر، لأن إيران عطلت المضيق ليس لأنها تريد فرض سيادتها عليه بشكل واقعي، وإنما تريد تحسين موقعها التفاوضي ليكون الورقة الرابحة تجاه الرئيس الأمريكي الذي يوصف بأنه رجل اقتصاد وصفقات. وهنا تجد إيران أن المضيق صفقة رابحة للحفاظ على نموذج النظام الإيراني، ولكن كان لترامب رأي آخر بممارسة سياسة الإغلاق على الإغلاق والحصار على الحصار، جرد إيران نوعاً ما من قوة هذه الورقة، لأن التأثير على الاقتصاد الإيراني سيظهر تدريجياً على المستوى المنظور.
شرعية إيران بإغلاق مضيق هرمز والسيطرة عليه:
تتذرع إيران بالمادة (14) من قانون البحار لعام 1982 فيما يتعلق بحق إيران كدولة متشاطئة بإدارة الملاحة في المياه الإقليمية. لكن إيران لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فهي وقعت عليها في 10 ديسمبر/كانون الأول 1982 من دون إيداع صك التصديق، مما يعني أنها ليست ملزمة قانونياً ببنودها كدولة طرف، لكنها قد تكون ملزمة ببعض جوانبها باعتبارها أعرافاً دولية. وبما أن إيران تتعكز على القانون الدولي واتفاقية البحار فإن المادة (26) فيما يتعلق بالمرور البريء من قانون البحار نصت على: “1- لا يجوز أن تفرض رسوم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها خلال البحر الإقليمي. 2- لا يجوز أن تفرض رسوم على سفينة أجنبية مارة بالبحر الإقليمي إلا مقابل خدمات محددة قُدمت إلى السفينة، وتجبى هذه الرسوم من غير تمييز”.
مع ذلك تحولت إيران من جانب تنظيمي إلى تعطيل للملاحة كدولة متشاطئة في مضيق هرمز، حيث تنطلق المسألة من النظام المعاهدي الذي ينظم الملاحة عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. فالجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يقرر حق المرور العابر في هذه المضائق، إذ تنص المادة (38) على أن: جميع السفن والطائرات تتمتع بهذا الحق لغرض العبور المتواصل والسريع، فيما تؤكد المادة (44) أنه لا يجوز تعليق المرور العابر. كما تجيز المادة (42) للدول المشاطئة اعتماد لوائح محددة تتعلق بسلامة الملاحة، وتنظيم الحركة البحرية، ومنع التلوث، وبعض المسائل المرتبطة بالصيد والضبط الجمركي والصحي، من غير أن تتحول هذه السلطة التنظيمية إلى سلطة تعطيل أو منع.
كما أن إيران تجاوزت سلطة عُمان وبتصرفها بإغلاق مضيق هرمز صادرت دور سلطة عُمان بحق سيادتها على الجانب الذي يقع ضمن نطاقها القانوني، وعُمان دولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ولذلك فإذا انصرفت التهديدات الإيرانية أو أي إجراءات تنفيذية عملية إلى سفن موجودة داخل البحر الإقليمي العماني أو إلى الممرات الواقعة فيه، فإن ذلك يثير مسألة إضافية تتعلق بعدم جواز ممارسة إيران سلطة إنفاذ، أو فرض أوامر ملاحة داخل البحر الإقليمي لدولة أخرى من دون سند قانوني، لا سيما أن المادة (15) من قانون البحار نصت على: “حيث تكون سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة، لا يحق لأي من الدولتين في حال عدم وجود اتفاق بينهما على خلاف ذلك، أن تمد بحرها الإقليمي أبعد من خط الوسط، الذي تكون كل نقطة عليه متساوية في بعدها عن أقرب النقاط على خط الأساس، الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي لكل من الدولتين. غير أن هذا الحكم لا ينطبق حين يكون من الضروري بسبب سند تاريخي أو ظروف خاصة أخرى تعيين حدود البحر الإقليمي لكل من الدولتين بطريقة تخالف هذا الحكم”.
إلى جانب المرور العابر هناك المرور البريء ضمن قانون البحار بالمادة (17) حيث نصت على: “رهناً بمراعاة هذه الاتفاقية، تتمتع جميع سفن الدول، ساحلية كانت أو غير ساحلية، بحق المرور البريء خلال البحر الإقليمي”، فضلاً عن اتفاقية جنيف لعام (1958) فالمادتان (14/16) تتعلقان بأحد أهم المبادئ القانونية في الملاحة الدولية، وهو “حق المرور البريء” حيث نصتا على: عدم جواز تعليق المرور البريء عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار، وجزء آخر منها، أو البحر الإقليمي لدولة أجنبية.
كما يعالج دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المنطبق على النزاعات المسلحة في البحار لعام 1994، فهذا الدليل، وإن لم يكن معاهدة ملزمة بذاته، يُعد مرجعاً تفسيرياً رئيساً في هذا المجال. وأبرز نقاط دليل سان ريمو 1994 تتمثل بالملاحة حيث يؤكد على حقوق المرور العابر والبريء في المضائق الدولية خلال الحروب، ويعيد الدليل التأكيد على قوانين الحرب في البحر، ويغطي الحصار، والمناطق المحظورة، وأهداف الحرب، وحماية المدنيين، ويُستخدم كأداة توجيهية للقوات البحرية.
لذلك، سواء نُظر إلى المسألة من زاوية قانون المعاهدات، أو العرف الدولي، أو القضاء الدولي، أو قانون النزاعات المسلحة في البحار، فإن إغلاق مضيق هرمز إغلاقاً شاملاً لا يجد له سنداً قانونياً معتبراً ويُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. والدليل على أن إيران أكثر من مرة هددت بتشريع قانون يجيز للحرس الثوري والقوات المسلحة إغلاق مضيق هرمز، لأنها تعرف جيداً أنه ليس لديها شرعية بالإغلاق.
إيران تكون قوية وشرسة وتتمدد عندما تجد فراغات، ولكنها تكون واقعية عند الأزمات، لذلك فتحت مضيق هرمز لأنها وجدت نفسها ستخسر أكثر مما تربح. وممارسة ترامب لسياسة الإغلاق على الإغلاق جردت إيران من ورقة ضغط هرمز. وإذا كان ترامب قد نجح في فتح مضيق هرمز فيمكن اعتبار ذلك ضربة ليس لإيران فحسب وإنما للرئيس الفرنسي ماكرون ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر وأعضاء حلف الناتو الذين راهنوا على أن ضغط ترامب لن ينفع في فتح المضيق. واليوم تم حشد أكثر من 40 دولة في قمة افتراضية بالعاصمة الفرنسية باريس بدون أمريكا وإسرائيل، وبالتزامن مع عقد القمة نجح حصار ترامب بفتح الإغلاق، وسيستخدم ترامب هذه الورقة كدعاية له ولحزبه في انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر، فضلاً عن استخدامها على المدى الطويل في خطاباته الإعلامية الموجهة لدول الناتو وتحديداً فرنسا وبريطانيا.







