طهران توسع دائرة المواجهة مع واشنطن.. ودول الخليج تدين الهجمات وتحذر من تهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية.
عاد التوتر العسكري إلى منطقة الخليج، بعدما أعلنت إيران تنفيذ هجمات صاروخية استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، رداً على الضربات الأمريكية التي طالت مواقع ساحلية داخل الأراضي الإيرانية، في تصعيد يهدد بنسف التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني، في بيان، استهداف ثمانية مواقع تابعة للجيش الأمريكي، شملت قاعدة علي السالم الجوية في الكويت ومواقع مرتبطة بالأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، مؤكداً أن العملية جاءت رداً على الهجمات الأمريكية التي استهدفت خمسة مواقع جنوب إيران.
كما توعد الحرس الثوري بتصعيد ردوده العسكرية إذا استمرت الضربات الأمريكية، معلناً أنه سيتعامل “بحزم أكبر” مع السفن التي لا تلتزم بالمسارات التي تحددها إيران لعبور مضيق هرمز، في إشارة إلى تشديد قبضته على أحد أهم الممرات البحرية لتصدير النفط في العالم.
في المقابل، أثارت الهجمات الإيرانية إدانات خليجية وعربية، إذ أكدت دول المنطقة أن استهداف أراضيها يمثل انتهاكاً لسيادتها وتهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها، فضلاً عن تأثيره في أمن الطاقة والتجارة العالمية.
وشددت وزارة الخارجية القطرية على ضرورة تجنيب المنطقة مزيداً من التصعيد، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام بالحوار والدبلوماسية والبناء على مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
وفي السياق ذاته، رأى المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، الدكتور خالد الجابر، أن الهجمات الإيرانية تمثل خرقاً صارخاً لسيادة دول الخليج وتهديداً مباشراً لمسارات الاستثمار والتنمية، معتبراً أن طهران تحاول إفشال المبادرة العُمانية الخاصة بإنشاء مسار بحري بديل وآمن لتنظيم حركة السفن في مضيق هرمز.
وأضاف أن إيران تستخدم المضيق كورقة ضغط سياسية وعسكرية لفرض نفوذها الإقليمي، محذراً من أن تجاهل المخاوف الأمنية لدول الخليج خلال المفاوضات الجارية قد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة الشاملة.
من جانبه، قال رئيس مركز المدار للدراسات السياسية، الدكتور صالح المطيري، إن إيران تسعى إلى تكريس معادلة جديدة مفادها أن أي استهداف لها سيقابله رد يطال دول الخليج أو الملاحة في مضيق هرمز، بهدف فرض نفسها كقوة مهيمنة في المنطقة.
وأوضح أن دول الخليج ما تزال متمسكة بخيار خفض التصعيد، مشيراً إلى الدور الذي لعبته قطر وسلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة كشفت هشاشة التفاهمات المعلنة.
وفي المقابل، أكدت إيران أن سيطرتها على مضيق هرمز لا تهدف إلى تحقيق مكاسب مالية، وإنما تمثل ورقة ردع استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية، فيما شددت على أن العبور الآمن عبر المضيق يجب أن يتم وفق المسارات التي تحددها السلطات الإيرانية.
وكانت سلطنة عُمان قد أعلنت مؤخراً إطلاق ممر بحري مؤقت ومجاني بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية لتنظيم حركة السفن وضمان سلامة الملاحة، إلا أن بحرية الحرس الثوري رفضت الاعتراف بهذا المسار، مؤكدة أن المرور في المضيق يجب أن يتم وفق التعليمات الإيرانية.
وتأتي هذه التطورات رغم توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في 17 حزيران/يونيو الماضي، ودخولهما في مفاوضات تهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية وضمان أمن الملاحة، إلا أن تجدد الضربات المتبادلة أعاد المنطقة إلى أجواء التصعيد.
يشير التصعيد الأخير إلى أن التفاهمات الأمريكية الإيرانية لم تنجح حتى الآن في بناء آلية مستقرة لإدارة الأزمة، إذ ما تزال العمليات العسكرية والرسائل الميدانية تتقدم على المسار الدبلوماسي. ويبدو أن الطرفين يستخدمان القوة العسكرية لتعزيز موقفيهما التفاوضيين، أكثر من سعيهما إلى حسم المواجهة عسكرياً.
كما تعكس الهجمات الإيرانية على مواقع أمريكية داخل دول الخليج تحولاً في طبيعة الرد الإيراني، إذ أصبحت طهران تعتبر القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة جزءاً من ساحة المواجهة المباشرة، وهو ما يزيد من مخاطر اتساع الصراع ليشمل دولاً لم تكن طرفاً مباشراً فيه.
أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فإن إصرار إيران على فرض قواعدها الخاصة لتنظيم الملاحة يضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي، الذي يعد حرية الملاحة في الممرات الدولية مبدأً أساسياً لا يخضع لسيطرة دولة واحدة. وفي المقابل، ترى طهران أن المضيق يمثل إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية.
ورغم استمرار الجهود الدبلوماسية التي تقودها دول خليجية، وفي مقدمتها سلطنة عُمان وقطر، فإن نجاح هذه الوساطات سيظل مرهوناً بقدرة واشنطن وطهران على الفصل بين التفاوض والتصعيد العسكري. أما استمرار الضربات المتبادلة، فإنه يهدد بإعادة المنطقة إلى مرحلة عدم الاستقرار، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والاقتصاد العالمي.







