حرية
تعكس تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي NATO مارك روته بشأن تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة تحولًا استراتيجيًا متدرجًا داخل الحلف، يرتبط بتغيرات أعمق في البيئة الدولية، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، والتصعيد في الشرق الأوسط والخليج، واحتمالات إعادة صياغة الدور الأمريكي عالميًا في حال عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سياسة تقليص الالتزامات الخارجية.
فالتصريحات الأخيرة لا تعبّر فقط عن نقاش عسكري داخل الحلف، بل تكشف بداية انتقال أوروبا نحو مفهوم الاستقلال الدفاعي النسبي، بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على المظلة العسكرية الأمريكية.
أوروبا تستعد لاحتمال تقليص الدور الأمريكي
حديث روته عن “تقليل الاعتماد على حليف واحد” يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن العواصم الأوروبية بدأت تتعامل بجدية مع احتمال:
- خفض الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
- أو إعادة توجيه الأولويات الأمريكية نحو آسيا والمحيط الهادئ.
ويزداد هذا القلق مع تصريحات ترامب حول دراسة تقليص القوات الأمريكية المتمركزة في بولندا وألمانيا، رغم إعلانه في الوقت نفسه إرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا.
ويعكس هذا التناقض أن واشنطن لم تعد تنظر إلى أوروبا باعتبارها الجبهة الوحيدة للأمن الأمريكي، بل كجزء من توزيع أوسع للقدرات العسكرية عالميًا.
قمة أنقرة.. تمويل الردع أولوية
إشارة روته إلى أن قمة الحلف المقبلة في أنقرة ستركز على توفير الموارد المالية اللازمة للردع، تؤكد أن الدول الأوروبية تتجه نحو:
- رفع الإنفاق العسكري
- تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية
- وتقليل الاعتماد اللوجستي والتقني على الولايات المتحدة.
فالحرب في أوكرانيا كشفت أن كثيرًا من الجيوش الأوروبية تفتقر إلى مخزونات كافية من الذخيرة والأسلحة، وتعتمد بدرجة كبيرة على القدرات الأمريكية في الاستخبارات والدفاع والقيادة العسكرية.
ولهذا، فإن النقاش داخل الحلف لم يعد مرتبطًا فقط بزيادة الإنفاق العسكري، بل ببناء قدرة أوروبية مستقلة نسبيًا على إدارة الأزمات والحروب.
مضيق هرمز يدخل الحسابات الأوروبية
تصريحات روته بشأن نشر سفن أوروبية ومعدات لإزالة الألغام قرب مضيق هرمز تكشف أن الحلف بدأ فعليًا توسيع اهتمامه الأمني نحو الخليج والبحر الأحمر. ويعكس ذلك عدة أهداف:
- حماية إمدادات الطاقة،
- تأمين الملاحة الدولية،
- ومنع إيران من امتلاك ورقة ضغط بحرية مؤثرة.
كما أن حديثه عن دعم الولايات المتحدة في ضمان حرية الملاحة يعني أن أوروبا تريد تقاسم الأعباء الأمنية ومنع انفراد واشنطن بإدارة المواجهة مع إيران.
تحول في طبيعة الحلف
منذ نهاية الحرب الباردة، كان الحلف يُعرّف نفسه أساسًا كتحالف لردع روسيا في أوروبا. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول تدريجي نحو:
- تحالف متعدد المهام،
- يمتد نشاطه من أوروبا الشرقية إلى الخليج والبحر الأحمر،
- ويتعامل مع أمن الطاقة والممرات البحرية باعتبارها جزءًا من الأمن الجماعي.
وقد يدفع هذا التحول الحلف مستقبلًا إلى:
- تعزيز وجوده البحري في الشرق الأوسط،
- وزيادة التنسيق مع دول الخليج،
- وإنشاء ترتيبات أمنية جديدة مرتبطة بالملاحة والطاقة.
أوكرانيا لا تزال في صدارة الأولويات
رغم التصعيد في الخليج، شدد روته على ضرورة الحفاظ على قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال، ما يعني أن الحلف يحاول تجنب تشتيت جهوده بين أكثر من جبهة.
فأوروبا تدرك أن أي تراجع في الدعم العسكري لأوكرانيا سيمنح روسيا فرصة استراتيجية، ويضعف مصداقية الحلف. لكن تعدد الأزمات العالمية بدأ يضغط على:
- الميزانيات العسكرية،
- إنتاج السلاح،
- والقدرة الغربية على إدارة أكثر من صراع في وقت واحد.
هل تتجه أوروبا نحو استقلال دفاعي؟
التصريحات الأخيرة لا تعني انفصال أوروبا عن الولايات المتحدة، لكنها تشير إلى بداية إعادة توازن داخل الحلف. فالعواصم الأوروبية باتت ترى أن الاعتماد الكامل على واشنطن أصبح مخاطرة استراتيجية، خصوصًا مع التقلبات السياسية الأمريكية وتصاعد النزعات الداعية إلى تقليص الانخراط الخارجي.
لذلك تتحرك أوروبا نحو:
- تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية،
- مع الحفاظ على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
أي أنها تسعى إلى علاقة تقوم على الشراكة لا التبعية الكاملة.
تكشف تصريحات مارك روته أن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة إعادة تعريف لدوره وحدود اعتماده على الولايات المتحدة. فالحرب في أوكرانيا، والتوتر في الخليج، واحتمالات تغير السياسات الأمريكية، دفعت أوروبا إلى التفكير بمنطق جديد يقوم على:
- بناء قوة ردع أوروبية أكبر
- توسيع الدور البحري للحلف،
- وتقاسم الأعباء الأمنية مع واشنطن.
وفي الوقت نفسه، فإن اقتراب الحلف من مضيق هرمز يعكس اتساع الجغرافيا الأمنية الأوروبية، بحيث لم تعد أوروبا الشرقية وحدها مركز الاهتمام، بل أصبحت الممرات البحرية والطاقة جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الدولي.
لكن هذا التحول يبقى مرتبطًا بسؤال جوهري:
هل تمتلك أوروبا فعلًا القدرة السياسية والعسكرية والاقتصادية للتحول من شريك يعتمد على الولايات المتحدة إلى قوة أمنية أكثر استقلالًا داخل النظام الدولي؟







