د. هبة السامرائي
حين يسأل أحدهم شخصاً آخر .. كيف حالك؟
كثيراً ما تأتي الإجابة باردة ومحمّلة بالملل (كما أنا… روتين)
وكأن الروتين عبء ثقيل، أو حياة بلا روح، أو أيام مكررة تُستهلك بلا معنى. حتى أصبح لفظ (الروتين) عند كثير من الناس مرادفاً للضيق والاختناق والتعب، بينما الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، أن الروتين ليس دائماً عدو الحياة، بل قد يكون أحد أعظم أسباب اتزانها واستمرارها.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى التذمر مما اعتاده، حتى لو كان هذا الاعتياد نعمة يتمناها غيره. يشتكي من الذهاب اليومي إلى عمله، وينسى أن هناك من يبحث عن فرصة عمل فلا يجدها. يتذمر من استيقاظه المبكر، وينسى أن هناك من يتمنى القدرة على النهوض من فراشه بصحة وعافية. يملّ من تفاصيل يومه المتكررة، بينما الحقيقة أن انتظام هذه التفاصيل بحد ذاته صورة من صور الاستقرار الذي يفتقده كثيرون.
إن الروتين في جوهره ليس تكراراً فارغاً كما يظنه البعض، بل هو شكل من أشكال الانضباط، والانضباط هو الطريق الطويل الذي يقود الإنسان نحو النجاح دون ضجيج. فالنجاحات العظيمة لا تُبنى بالحماس المؤقت، بل بالعادات المتكررة، بالأيام العادية التي يلتزم فيها الإنسان بما عليه حتى عندما لا يكون مزاجه جيداً، وحتى عندما يشعر بالملل أو التعب.
ولو تأمل الإنسان قليلاً، لاكتشف أن الحياة كلها قائمة على نظام متكرر يحفظ توازنها. الليل يعقبه النهار، والشمس تشرق كل يوم دون أن تتخلف، والفصول تدور بنظام دقيق لا يختل. وحتى في عباداتنا، نجد أن الله سبحانه وتعالى علّم الإنسان معنى الانضباط من خلال التكرار المنظم. فالصلوات الخمس التي يؤديها المسلم كل يوم، في أوقاتها المحددة، ليست مجرد عبادة فقط، بل مدرسة يومية تُربي النفس على الالتزام والثبات والاتزان.
هذا التكرار اليومي للصلاة، رغم ثباته، لا يفقد معناه أبداً، لأن القيمة ليست في التغيير المستمر، بل في الأثر العميق الذي يصنعه الثبات داخل الإنسان. وكذلك الروتين في الحياة.. ليس المطلوب أن تكون كل أيام الإنسان مليئة بالمفاجآت، بل أن تكون مليئة بالمعنى والاستقرار والقدرة على الاستمرار.
إن كثيراً من الناس يربطون السعادة بالإثارة الدائمة، ويظنون أن الحياة الجميلة هي تلك التي لا تعرف التكرار، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع العيش طويلاً وسط الفوضى. فالحياة التي تخلو من النظام تُرهق العقل، وتشتت الروح، وتجعل الإنسان يعيش في حالة ضياع مستمرة. أما الروتين، فهو يمنح الإنسان شعوراً بالأمان الداخلي، لأنه يعرف ما الذي ينتظره، ويعرف كيف يدير وقته وحياته بطريقة أكثر اتزاناً.
ولعل المشكلة ليست في الروتين نفسه، بل في طريقة نظر الإنسان إليه. حين يعيش الإنسان أيامه وكأنها عبء مفروض عليه، سيشعر بالاختناق مهما كانت حياته جيدة. أما حين يدرك أن هذه التفاصيل المتكررة تحمل نعماً كثيرة، فسيتغير شعوره تجاهها تماماً.
فإدراك النعمة… نعمة بحد ذاته. أن ينتبه الإنسان إلى أن وجود أشخاص يسأل عنهم كل يوم نعمة، وأن امتلاكه مسؤوليات يسعى لأجلها نعمة، وأن قدرته على ممارسة يومه بشكل طبيعي نعمة قد تُسلب في أي لحظة.
إن الروتين لا يعني أن يتوقف الإنسان عن التجدد، بل يعني أن يبني أساسًا ثابتاً يستطيع من خلاله أن يتطور. فالإنسان المنضبط في نومه، وعمله، وصلاته، وعلاقاته، أقرب إلى النجاح من ذلك الذي يعيش حياته وفق المزاج والفوضى. لأن المزاج متقلب، أما العادات المنظمة فهي التي تحمل الإنسان نحو أهدافه حتى في الأيام التي يفقد فيها الحماس.
كما أن الروتين يُعلّم الإنسان الصبر، وهذه من أعظم الصفات التي يحتاجها كل ناجح. فالنتائج الكبيرة لا تأتي فجأة، بل تنمو بهدوء داخل الأيام المتشابهة. الطالب الذي يدرس قليلاً كل يوم، يبني نجاحه عبر روتين ثابت. والكاتب الذي يكتب باستمرار، تتشكل موهبته عبر التكرار. والإنسان الذي يلتزم بعاداته الجيدة، تتغير حياته مع الوقت دون أن يشعر.
أما الحياة التي تخلو من الروتين تماماً، فهي غالباً حياة غير مستقرة. يعيش الإنسان فيها مشتتاً، يبدأ أشياء كثيرة ولا يُكملها، ينام متى يشاء، ويعمل متى يشاء، ويؤجل مسؤولياته باستمرار، حتى يجد نفسه غارقاً في الفوضى دون إنجاز حقيقي أو راحة نفسية. فالحرية المطلقة دون نظام، قد تتحول إلى نوع من الضياع المقنّع.
وفي الحقيقة، ليست المشكلة أن تتكرر الأيام، بل أن يفقد الإنسان شعوره بها. فحتى الأشياء الجميلة تصبح باهتة حين يغيب الامتنان من القلب. لذلك، يحتاج الإنسان بين فترة وأخرى أن يتأمل حياته بهدوء، وأن يرى كم من النِعم تختبئ داخل هذا (الروتين) الذي يشتكي منه. فهناك من يتمنى حياة مستقرة، وهناك من يتمنى عملاً ثابتاً، وهناك من يتمنى بيتاً يعود إليه آخر النهار، بينما غيره يملك كل ذلك ولا يراه لأنه اعتاده فقط.
وفي النهاية، يبقى الروتين أحد الأوجه الخفية للرحمة الإلهية في حياة الإنسان. لأنه يمنحه النظام وسط الفوضى، والثبات وسط التشتت، والقدرة على الاستمرار وسط تقلبات الحياة. وربما لا يحتاج الإنسان أن يهرب دائماً من الروتين، بل أن يتعلم كيف يعيشه بوعي وامتنان، وكيف يكتشف الجمال الكامن في التفاصيل البسيطة المتكررة.
فالنجاح لا تصنعه اللحظات الاستثنائية وحدها، بل تصنعه الأيام العادية التي يلتزم فيها الإنسان بما عليه، حتى دون تصفيق، ودون حماس، ودون نتائج فورية. وهنا تحديداً، يتحول الروتين من شيء ممل في نظر البعض… إلى أسلوب حياة يبني الإنسان من الداخل، خطوة بعد خطوة، حتى يصل….






