بقلم: أحمد الحمداني
لم تعد المنطقة تحتمل المزيد من الحروب ولا المزيد من الاستنزاف السياسي والاقتصادي فقد دفعت شعوب الشرق الأوسط ثمناً باهظاً لعقود طويلة من الصراعات والانقسامات والمحاور المتقابلة حتى أصبح الأمن والاستقرار والتنمية مطالب وجودية وليست شعارات سياسية ومن بين أكثر الدول التي دفعت هذا الثمن كان العراق هذا البلد الذي يمتلك التاريخ والثروة والموقع والإنسان وجد نفسه على مدى عقود في قلب العواصف من الحروب الإقليمية إلى الحصار ومن الإرهاب إلى الصراعات الداخلية ومن التدخلات الخارجية إلى الأزمات الاقتصادية المتكررة ومع ذلك بقي العراق قادراً على النهوض لأنه بلد لا تنتهي فرصه ولا تموت طاقته واليوم ونحن ننظر إلى مستقبل العراق والمنطقة يجب أن نغادر عقلية الصراع إلى عقلية البناء وأن نعيد تعريف قوة الدولة لا بوصفها قدرة على الدخول في الحروب بل بوصفها قدرة على حماية الاستقرار وجذب الأموال وخلق فرص العمل وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية كبرى.
العراق والخليج ليسا مجرد جغرافيا متجاورة بل عمق واحد ومصالح مشتركة وامتداد تاريخي واجتماعي وثقافي واقتصادي لا يمكن فصله فالعراق بموارده وموقعه وسوقه الواسعة ودول الخليج بإمكاناتها المالية وخبراتها التنموية واستقرارها الاقتصادي قادران على بناء نموذج شراكة جديد يغير وجه المنطقة إذا أحسن استثماره.
لقد نجحت دول الخليج خلال العقود الماضية في تحويل الاستقرار إلى صناعة والسياحة إلى اقتصاد والاستثمار إلى نفوذ ناعم والبنية التحتية إلى قوة مؤثرة في الاقتصاد العالمي وهذه التجربة لا ينبغي أن ينظر إليها العراق من موقع التنافس بل من موقع التكامل والشراكة والاستفادة من الخبرات الناجحة فالعراق يمتلك ما لا تمتلكه دول كثيرة الأرض الخصبة والمياه والثروات الطبيعية والعمق السكاني والموقع الاستراتيجي الذي يربط الخليج بتركيا وأوروبا وآسيا.
قبل سنوات كتبت عن ضرورة أن يتحول العراق إلى نموذج قريب من التجربة السويسرية لم أكن أقصد استنساخ التجربة بحذافيرها، فلكل دولة ظروفها وتاريخها وخصوصيتها، لكنني كنت أتحدث عن جوهر الفكرة فسويسرا تحولت إلى دولة مستقرة ومحايدة ومركز مالي عالمي لأنها اختارت طريق التنمية والاقتصاد والثقة والقانون بدلاً من الانخراط في الصراعات التي أنهكت القارة الأوروبية عبر قرون طويلة.
العراق مر بما مرت به دول كثيرة من حروب وأزمات وصراعات بل ربما كان نصيبه من المعاناة أكبر من غيره لذلك فإن الوقت قد حان للانتقال من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية صناعة الفرص لقد سئم العراقيون من الحروب وسئمت المنطقة من النزاعات وأصبح الجميع يبحث عن الاستقرار والازدهار والتنمية.
إن العراق لا يحتاج إلى أن يكون جزءاً من أي محور متصارع ولا إلى أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية ما يحتاجه هو أن يكون دولة ذات سيادة تقيم أفضل العلاقات مع الجميع مع دول الخليج والعالم العربي وتركيا وإيران وأوروبا والولايات المتحدة وسائر دول العالم على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ان العلاقات المتوازنة ليست ضعفاً كما يتصور البعض بل هي قمة القوة السياسية والدول الناجحة في العالم هي تلك التي استطاعت أن تجعل من موقعها الجغرافي ومكانتها السياسية جسراً للتعاون لا ساحة للصراع والعراق يمتلك كل المقومات التي تؤهله للقيام بهذا الدور إذا توفرت الرؤية الواضحة والإرادة الوطنية إن موقع العراق الجغرافي وحده يمثل ثروة استراتيجية هائلة فهو يقع في قلب المنطقة ويربط الخليج بتركيا وأوروبا ويشكل نقطة التقاء بين الشرق والغرب وهذا الموقع يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل دائم يفوق في بعض الأحيان أهمية الموارد الطبيعية إذا ما تم استثماره عبر مشاريع النقل والسكك الحديدية والموانئ والمناطق الاقتصادية الحرة والممرات التجارية الدولية.
كما أن العراق يمتلك فرصة تاريخية ليصبح مركزاً مالياً واستثمارياً إقليمياً فبدلاً من أن تخرج الأموال العراقية إلى الخارج بحثاً عن بيئة آمنة يمكن للعراق أن يوفر البيئة التي تجذب الأموال العراقية والخليجية والعربية والأجنبية وهذا يتطلب إصلاحاً حقيقياً في النظام المصرفي وتطوير التشريعات الاقتصادية وتعزيز محاربة الفساد وترسيخ مبدأ سيادة القانون.
إن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق عبر الاعتماد على النفط وحده فالدول التي بنت نهضتها الحقيقية اعتمدت على التنويع الاقتصادي والعراق يمتلك فرصاً كبيرة في الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي كما يمتلك كنوزاً حضارية ودينية وتاريخية تجعل منه واحداً من أهم الوجهات السياحية في المنطقة إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح.
السياحة الدينية وحدها تستقطب ملايين الزائرين سنوياً لكن الإمكانات الحقيقية أكبر بكثير مما هو موجود اليوم فالعراق هو مهد الحضارات الإنسانية وأرض سومر وأكد وبابل وآشور ويضم عشرات المواقع الأثرية التي يمكن أن تتحول إلى مصدر اقتصادي كبير إذا تم تطوير البنية التحتية والخدمات السياحية المرتبطة بها إن مستقبل العراق لا يجب أن يبنى على الخوف من الآخرين بل على التعاون معهم ولا يجب أن يقوم على عقلية المواجهة الدائمة بل على عقلية الشراكة والمصالح المشتركة فالعالم اليوم لا يحترم الدول التي تعيش على الأزمات بل يحترم الدول التي تصنع التنمية وتوفر الاستقرار وتجذب الاستثمار وتخلق فرص العمل لشعوبها ومن هنا تأتي أهمية العلاقة مع دول الخليج فالعراق يحتاج إلى الخليج بقدر ما يحتاج الخليج إلى عراق قوي ومستقر ومزدهر أمن الخليج واستقرار العراق مسألتان مترابطتان وأي مشروع تنموي حقيقي في المنطقة لن يكتمل دون شراكة اقتصادية واستراتيجية بين الطرفين كما أن العراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع أوروبا والغرب تقوم على التعاون الاقتصادي ونقل التكنولوجيا والاستثمار وتطوير المؤسسات وربط الاقتصاد العراقي بالأسواق العالمية فالعالم اليوم تحكمه المصالح الاقتصادية أكثر مما تحكمه الشعارات السياسية والدول التي تدرك هذه الحقيقة هي التي تحقق النجاح والاستقرار و لقد آن الأوان أن يتحول العراق من دولة أزمات إلى دولة فرص ومن ساحة للصراعات إلى منصة للتعاون ومن بلد يستنزف طاقاته في النزاعات إلى بلد يوظف إمكاناته في البناء والتنمية آن الأوان أن تكون بغداد جسراً بين العواصم لا ساحة للتنافس بينها وأن يكون العراق بيتاً آمناً للاستثمار والأعمال والمال والسياحة والثقافة لإن العراق الذي نحلم به ليس عراق الحروب والمتاريس بل عراق المطارات والموانئ والمصانع والجامعات والفنادق والمشاريع الكبرى عراق القانون والمؤسسات والاستثمار والعمل والإنتاج عراق يحمي أموال الجميع ويمنح المستثمرين الثقة ويؤمن لشبابه فرص العمل والحياة الكريمة.
فالعراق لا تنقصه الثروات ولا الإمكانات ولا الموقع الجغرافي ولا الكفاءات البشرية ما يحتاجه حقاً هو رؤية وطنية تؤمن بأن المستقبل يصنعه الاقتصاد لا الصراع وأن قوة الدول تقاس بما تنتجه لا بما تخوضه من حروب ان العراق والخليج عمق واحد وهذه ليست عبارة إنشائية بل حقيقة استراتيجية وإذا نجحنا في تحويل هذه الحقيقة إلى مشاريع واستثمارات وشراكات اقتصادية وتنموية حقيقية فإن المنطقة كلها ستدخل مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والازدهار والتقدم .
لقد تعب الجميع من الحروب وحان وقت التنمية وتعبت الشعوب من الصراعات وحان وقت بناء المستقبل والعراق مؤهل أكثر من أي وقت مضى ليكون دولة اقتصاد وسياحة واستثمار وتجارة ودولة تفتح أبوابها للعالم وتحمي أموال الجميع وتبني علاقات متوازنة مع الجميع ذلك هو العراق الذي نستحقه والعراق الذي يجب أن نعمل من أجله.







