حرية | 23 آذار 2026
بقلم: أحمد الحمداني
في الدول التي تختلط فيها حدود السلطة بالثروة، لا يُصنع القرار في العلن فقط، بل يُدار في مساحات رمادية تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي هناك، لا تكون الأموال مجرد أدوات دعم، بل تتحول إلى منظومة تأثير كاملة، تُعيد تشكيل المشهد بهدوء، وتُعيد توزيع الأدوار بما يخدم من يمتلك القدرة على التمويل قبل من يمتلك الشرعية.
في هذا السياق، لم يعد خافياً أن جزءاً من الخطاب الإعلامي عبر صفحات التواصل أو بعض الشخصيات الإعلامية أو حتى قنوات فضائية يقف خلفه تمويل سياسي مباشر أو غير مباشر، يُمرَّر عبر قنوات ملتوية، أحياناً بواجهة رجال أعمال، وأحياناً أخرى عبر شركات أو عقود ظاهرها تجاري وباطنها سياسي وهنا لا نتحدث عن حالات فردية، بل عن نمط متكرر يُعيد تشكيل الرأي العام وفق مصالح محددة، ويحوّل بعض المنصات من أدوات رقابة إلى أدوات توجيه.
لكن الصورة لا تقف عند الإعلام فالأخطر يتمثل في وجود واجهات اقتصادية متكاملة تُستخدم كأذرع للنفوذ بنوك تتحرك خارج دورها الطبيعي، تجار يتحولون إلى قنوات تمويل، ومشاريع سكنية واستثمارية تُستغل كغطاء لتمرير الأموال وتدويرها داخل النظام السياسي. منظومة مترابطة، لا يمكن قراءتها كحالات منفصلة، بل كشبكة واحدة تتغذى على غياب الرقابة وضعف المساءلة.
ولم يكتفِ بعض الفاعلين في هذا المشهد بتعظيم ثرواتهم، بل انتقلوا إلى مرحلة أكثر خطورة، حين سعوا للحصول على الحصانة السياسية فدخلوا الحياة السياسية، ووصل بعضهم إلى مواقع تشريعية وتنفيذية، ليجمعوا بين المال والنفوذ والقرار، في معادلة تُنتج تضارب مصالح صارخاً وتُفرغ العملية السياسية من مضمونها الحقيقي.
ومع ذلك، لا يمكن الخلط بين التمويل السياسي المشروع، وبين المال الذي يُدار في الظل فالتبرعات الحقيقية موجودة في كل دول العالم، وهي جزء من العملية الديمقراطية، لكنها تتم ضمن أطر قانونية واضحة، وتُسجّل في حسابات رسمية للأحزاب، وتخضع لرقابة دقيقة وشفافة المشكلة لا تكمن في التبرع بحد ذاته، بل في تحويله إلى أداة نفوذ خفي، يُمرر عبر حسابات شخصية، أو عبر قنوات غير معلنة، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة.
إن التمويل المشروع هو الذي يُعلن، ويُوثّق، ويُخضع للتدقيق أما التمويل الذي يتم “من تحت الطاولة”، فهو لا يمكن اعتباره دعماً سياسياً، بل يدخل في إطار الفساد الصريح، خاصة عندما يرتبط بتمرير صفقات، أو منح امتيازات، أو التأثير على قرارات سيادية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية حين يتحول المنصب التنفيذي أو التشريعي إلى بوابة لتمرير المصالح والصفقات في هذه الحالة، لا يعود الأمر مجرد خلل إداري، بل خيانة واضحة لمفهوم الدولة، وانحراف خطير عن الدور الحقيقي للمسؤولية العامة. فالموقع السياسي ليس أداة لتحقيق الأرباح، بل تكليف لحماية المال العام وصون مصالح المواطنين.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح من يُدقق؟ من يُحاسب؟ ومن يمتلك القدرة على فتح هذا الملف دون أن يُغلق قبل أن يبدأ؟
إن أي حديث عن النزاهة لا قيمة له دون إجراءات عملية تبدأ من تدقيق حقيقي في إيرادات الأحزاب السياسية والشخصيات التشريعية والتنفيذية وأقاربهم ومصادر تمويلها، وتتوسع لتشمل تتبع مسارات الأموال، ورصد آليات انتقالها، وفهم الشبكات التي تُدير هذا التدفق المالي.
لكن المعالجة الأعمق تكمن في إعادة ضبط العلاقة بين السياسة والتجارة فلا يمكن لدولة تسعى لبناء نظام سياسي سليم أن تسمح بازدواجية الأدوار من هنا، تصبح الحاجة ملحّة لتشريع واضح يمنع الجمع بين العمل التجاري والموقع السياسي أو التنفيذي، ويُلزم كل من يتولى منصباً عاماً بالتخلي الكامل عن نشاطه التجاري طوال فترة مسؤوليته.
ولا يقتصر ذلك على الشخص فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل عائلته المباشرة، لمنع استخدامهم كواجهات بديلة. كما ينبغي فرض التزام قانوني صارم يُلزم المسؤول بتقديم كشف تفصيلي عن أي مشروع أو استثمار مرتبط به أو بمحيطه، موضحاً آلية الحصول عليه: هل جاء عبر منافسة شفافة، أم عبر نفوذ وتدخلات؟
هذه المعايير ليست ترفاً تشريعياً، بل ضرورة لحماية الدولة من الاختراق المالي، وضمان بقاء السياسة في إطارها الطبيعي كخدمة عامة، لا كأداة استثمار.
إن تفكيك هذه الشبكات ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب قرار قضائي وهنا نشهد للقضاء العراقي عند توفر الادلة والاثباتات يصدر قراره دون اي تردد وايضاً قراراً سياسياً شجاعاً، وأجهزة رقابية قادرة على العمل دون ضغوط، وإعلاماً يرفض أن يكون جزءاً من منظومة التمويل.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى المشهد مفتوحاً على سؤال لا يمكن تجاهله هل تُدار الدولة بإرادة المؤسسات… أم بإرادة من يمولها؟







