حرية
دخلت باكستان على خط الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لفتح مسار سياسي يحد من اتساع المواجهة ويعيد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الصراع إلى أزمة إقليمية ودولية واسعة.
وقال وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الثلاثاء، إن بلاده وإيران أحرزتا “تقدماً كبيراً” خلال مباحثات ركزت على الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران وإمكانية فتح طريق نحو تسوية سياسية.
وجاءت زيارة نقوي إلى طهران بالتزامن مع زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، في تحرك يعكس رغبة إسلام آباد في استخدام قنواتها السياسية والعسكرية للضغط باتجاه خفض التصعيد.
إعادة فتح هرمز في صدارة المباحثات
وذكر الجيش الباكستاني أن اللقاءات مع القيادة الإيرانية بحثت إجراءات لمنع المزيد من التصعيد، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الصراع بأسرع وقت ممكن.
كما تبادل الجانبان وجهات النظر بشأن الأمن الإقليمي وإمكانية الوصول إلى تسوية من خلال التفاوض، في مؤشر على محاولة تحويل الاتصالات الثنائية إلى مسار أوسع للتهدئة.
وقال نقوي، الذي رافق قائد الجيش إلى طهران، إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عرض موقف حكومته “بصراحة”، واصفاً المحادثات بأنها بناءة للغاية.
اتصال سابق بين منير وترامب
وتأتي التحركات الباكستانية بعد اتصال أجراه قائد الجيش عاصم منير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل توجهه إلى طهران، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
ويعكس ذلك حساسية الدور الذي تحاول إسلام آباد القيام به، إذ تتحرك في مساحة سياسية معقدة بين واشنطن وطهران، من دون أن تبدو منحازة بالكامل إلى أي من الطرفين.
وكان ترامب قد حذر الأسبوع الماضي من فرض عواقب اقتصادية على الدول التي تقدم “أي نوع من الدعم الحيوي لإيران”، في إطار مساعي واشنطن لتشديد عزلة طهران اقتصادياً.
في المقابل، هددت إيران بوقف صادرات النفط من منطقة الخليج، ما يضع أمن الطاقة العالمي في صلب الحسابات السياسية والعسكرية للمواجهة.
لماذا أصبح مضيق هرمز مفتاح الأزمة؟
لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على كونه ممراً مائياً، بل يمثل إحدى أهم نقاط الضغط الاستراتيجي في الاقتصاد العالمي، نظراً إلى مرور كميات ضخمة من النفط والغاز عبره.
ولهذا فإن إعادة فتح المضيق لا تعني فقط تسهيل حركة السفن، وإنما تمثل اختباراً حقيقياً لأي اتفاق تهدئة محتمل بين واشنطن وطهران.
فإذا استمرت القيود على الملاحة أو تحولت التهديدات إلى إجراءات ميدانية، فإن تداعيات الأزمة ستنتقل سريعاً من ساحة الصراع إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين، بما يرفع كلفة النفط ويضغط على الاقتصادات المستوردة.
التحليل: هل تنجح إسلام آباد في فك عقدة الأزمة؟
تبدو مهمة باكستان شديدة التعقيد، لكنها تملك في الوقت ذاته عدداً من عناصر القوة التي قد تساعدها على لعب دور الوسيط.
فإسلام آباد ترتبط بعلاقات مباشرة مع طهران، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن، ما يمنحها قدرة على نقل الرسائل بين الطرفين في مرحلة تعاني فيها القنوات الدبلوماسية المباشرة من الجمود.
لكن العقبة الأساسية تتمثل في الفجوة الكبيرة بين المطالب الأميركية والإيرانية.
واشنطن تريد استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي لدفع طهران إلى تقديم تنازلات استراتيجية، بينما تحاول إيران الحفاظ على أوراق قوتها، وفي مقدمتها النفط ومضيق هرمز وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن نجاح الوساطة الباكستانية لن يكون مرتبطاً فقط بفتح المضيق، بل بقدرتها على إيجاد صيغة متزامنة: ضمان حرية الملاحة مقابل خفض التصعيد، وفتح باب التفاوض مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية، ومنع أي طرف من تحويل التهدئة إلى فرصة لإعادة التصعيد.
هرمز أمام اختبار جديد
المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون حركة السفن عبر المضيق، إذ إن عودة الملاحة تدريجياً ستعني أن الاتصالات السياسية بدأت تنتج نتائج ملموسة، بينما استمرار التهديدات أو القيود سيعني أن الأزمة لا تزال بعيدة عن التسوية.
وبذلك تتحول باكستان من مجرد طرف مجاور لإيران إلى لاعب دبلوماسي يحاول الإمساك بخيط رفيع بين وقف الحرب، حماية الملاحة، ومنع تحول أزمة أميركية إيرانية إلى أزمة طاقة عالمية.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل هذه الوساطة هو: هل تستطيع إسلام آباد تحويل “التقدم الكبير” الذي تتحدث عنه إلى اتفاق قابل للتنفيذ، أم أن مضيق هرمز سيبقى ورقة الضغط الأقوى في مواجهة مفتوحة لم تصل بعد إلى طاولة التسوية؟







