حرية
تتسارع التطورات المرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق، مع بروز مؤشرات على تحول تدريجي في مواقف بعض الفصائل المسلحة تجاه المشروع الحكومي الهادف إلى إعادة تنظيم المنظومة الأمنية وحصر القوة العسكرية بالمؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، رحب المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، بكل خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار والسلم الأهلي عبر حصر السلاح بيد الدولة، في موقف اعتبره مراقبون من أكثر المواقف مرونة الصادرة عن الفصائل المسلحة خلال الفترة الأخيرة.
وأكد العساف أن الكتائب مستعدة للقيام بدور مساعد في إدارة هذا الملف، من خلال تقديم التسهيلات الفنية والإرشادات اللازمة لقيادة الحشد الشعبي والجهات المختصة، بما يشمل جرد الأسلحة ونقلها وخزنها وفق آليات آمنة، فضلاً عن التعامل مع بعض المنظومات العسكرية المتطورة التي تحتاج إلى كوادر متخصصة.
كما أبدى دعمه للفصائل أو الجهات التي تقرر التخلي عن العمل المسلح والانخراط في مؤسسات الدولة، مشدداً على احترام تلك الخيارات وعدم الإساءة إلى أصحابها، في إشارة تعكس قبولاً متزايداً بفكرة إعادة هيكلة العلاقة بين الفصائل والدولة.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع القرار الذي اتخذه زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، والقاضي بفك ارتباط “سرايا السلام” بالتيار وإلحاقها بالدولة، مع تحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية خالية من الطابع العسكري والتنظيمي. وقد حظيت هذه الخطوة بدعم مباشر من رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، الذي عدّها خطوة مهمة في اتجاه تعزيز سلطة الدولة.
وتسعى الحكومة العراقية إلى تنفيذ أحد أبرز بنود برنامجها الوزاري المتمثل بحصر السلاح بيد الدولة، عبر تشكيل لجان متخصصة ووضع جداول زمنية لتنظيم عملية دمج وتسليم السلاح، بالتوازي مع حوارات سياسية مكثفة داخل القوى المنضوية في الإطار التنسيقي.
وتشير معطيات المشهد الحالي إلى وجود درجة من المرونة لدى عدد من الفصائل التي كانت ترفض سابقاً أي نقاش بشأن مستقبل أسلحتها، الأمر الذي يعكس تغيراً نسبياً في البيئة السياسية والأمنية، خصوصاً بعد الضغوط الداخلية والدولية المتزايدة المطالبة بتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.
في المقابل، لا تزال بعض الفصائل تتمسك بموقفها التقليدي، إذ تؤكد جهات من بينها حركة النجباء أن إجراءات الحصر يجب أن تقتصر على السلاح غير المنضبط، فيما تعتبر أن ما تصفه بـ”سلاح المقاومة” يختلف عن الأسلحة الخارجة عن القانون.
ويرى مراقبون أن العراق يقف أمام مرحلة مفصلية في إدارة ملف السلاح، إذ إن نجاح الحكومة في بناء تفاهمات سياسية مع الفصائل قد يفتح الباب أمام تسوية تاريخية تنهي تعدد مراكز القوة المسلحة، بينما قد يؤدي تعثر هذه الجهود إلى استمرار حالة التوازن الهش التي طبعت المشهد الأمني خلال السنوات الماضية.
ومع استمرار الحوارات بين الحكومة والقوى السياسية والفصائل المسلحة، تبدو بغداد أقرب من أي وقت مضى إلى اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل شعار “حصر السلاح بيد الدولة” من هدف سياسي معلن إلى واقع عملي يعيد رسم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة في العراق.
تحليل:
يحمل بيان كتائب حزب الله أكثر من رسالة سياسية وأمنية. فالفصيل لم يعلن تخليه عن سلاحه، لكنه أبدى استعداداً للتعاون مع مشروع الدولة وتقديم الدعم الفني في ملف تنظيم الأسلحة، ما يعكس انتقالاً من مرحلة الرفض المطلق إلى مرحلة التفاوض وإدارة التحول.
كما أن توقيت الموقف، بعد قرار مقتدى الصدر الخاص بسرايا السلام ودعم الحكومة له، يوحي بوجود حراك أوسع داخل البيت الشيعي لإيجاد صيغة جديدة للعلاقة بين الفصائل والمؤسسات الرسمية، خصوصاً في ظل الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة لحصر السلاح بيد الدولة.
ورغم استمرار الاعتراضات من بعض الفصائل، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن ملف السلاح دخل مرحلة مختلفة عنوانها “إعادة التنظيم والدمج التدريجي” بدلاً من المواجهة المباشرة، وهو ما قد يشكل أحد أهم التحولات الأمنية والسياسية في العراق خلال المرحلة المقبلة.







