حرية | الخميس 26 آذار 2026
رغد بنت زيد
في مدينة اعتادت أن تستيقظ على وقع التوترات، لم يعد الهجوم الأمني حدثاً استثنائياً في بغداد، بل أصبح امتداداً لصراع مفتوح تُرسم ملامحه بين الداخل والخارج. الضربات التي استهدفت مقرات أمنية عراقية لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل مؤشراً جديداً على هشاشة البيئة الأمنية أمام تهديدات متطورة وسريعة التنفيذ.
ورغم أن التهديدات تحيط بمختلف الأهداف الحساسة، إلا أن المفارقة اللافتة تكمن في أن السفارات الأجنبية، وعلى رأسها السفارة الأمريكية في بغداد، غالباً ما تنجح في تقليل خسائرها أو تفادي الضربات المؤثرة، بينما تتعرض المؤسسات الأمنية العراقية لضربات موجعة. هذه المفارقة لا ترتبط بالصدفة، بل بمنهج مختلف في إدارة ما يُعرف بـ”لحظة ما قبل الهجوم”.
تعتمد السفارات على منظومة متكاملة تبدأ بالمعلومات الاستخبارية، حيث يتم تحليل أي مؤشر تهديد مهما بدا بسيطاً، ضمن سياق أوسع يشمل التطورات الإقليمية، حركة الفصائل، وحتى الخطاب الإعلامي. هذه القراءة المبكرة تمنحها وقتاً ثميناً لتفعيل إجراءات استباقية، مثل رفع مستوى الإنذار، تشديد الحماية، وتقليل الوجود البشري داخل المقر.
في المقابل، تواجه المؤسسات الأمنية العراقية تحدياً مركباً، يتمثل في تعدد مصادر التهديد، وتعقيد البيئة السياسية، إضافة إلى الضغط المستمر الذي يصعب معه الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية بشكل دائم. فالهجوم لا يُقاس فقط بقدرته التدميرية، بل بمدى نجاحه في استغلال فجوة زمنية قصيرة بين “المعلومة” و”الإجراء”.
السفارات، بحكم طبيعة عملها، تتعامل مع الخطر كحالة دائمة، لا ظرفاً طارئاً. لذلك، فإن إجراءات مثل إغلاق الطرق، تفعيل أنظمة التشويش، نشر القناصة، ونقل الموظفين إلى ملاجئ محصنة تُنفذ فور ارتفاع مستوى التهديد، حتى لو لم يقع الهجوم فعلياً. هذه “المبالغة المحسوبة” في الحذر هي ما يصنع الفارق في كثير من الأحيان.
في النهاية، تكشف الأحداث الأمنية الأخيرة في بغداد عن درس واضح: أن الفارق بين النجاة والخسارة غالباً ما يكون في “الاستعداد قبل الهجوم، وليس الرد بعده“. في مدينة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، تصبح لحظة ما قبل الصاروخ هي المعركة الحقيقية، والفارق بين من كان مستعداً ومن كان ينتظر يُحدّد مصير المؤسسات وسلامة من يعمل فيها.







