حرية
فتح قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بفك ارتباط “سرايا السلام” عن التيار وإلحاقها بالدولة العراقية نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، كونه يأتي في لحظة حساسة تشهد فيها البلاد تحولات داخلية وضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة بشأن مستقبل الفصائل المسلحة وآليات حصر السلاح بيد الدولة.
القرار الذي لاقى ترحيباً من رئيس الوزراء علي الزيدي لا يُنظر إليه بوصفه إجراءً تنظيمياً يخص التيار الصدري فحسب، بل باعتباره خطوة قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، خاصة أن “سرايا السلام” تُعد من أكبر وأبرز التشكيلات المسلحة المنبثقة عن القوى السياسية الشيعية.
قراءة في التوقيت
يأتي القرار في ظل بيئة سياسية وأمنية مختلفة تماماً عن السنوات التي شهدت ظهور الفصائل المسلحة وتوسعها. فبعد القضاء على تنظيم داعش وتراجع التهديدات الأمنية المباشرة، باتت الدولة العراقية تواجه تحدياً من نوع آخر يتمثل في كيفية توحيد القرار الأمني والعسكري ومنع تعدد مراكز القوة.
كما يتزامن القرار مع ضغوط دولية متزايدة على بغداد لاتخاذ خطوات عملية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً بعد الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية وما رافقها من تصاعد المخاوف بشأن دور بعض الفصائل المسلحة في الصراعات الإقليمية.
دعم مباشر لسلطة الدولة
يرى مراقبون أن الخطوة تمثل دعماً سياسياً واضحاً للحكومة العراقية في أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. فإلحاق “سرايا السلام” بالمؤسسات الرسمية يعني عملياً الاعتراف بأن إدارة الملف الأمني يجب أن تبقى بيد الدولة وحدها، وأن قرار الحرب والسلم ينبغي أن يصدر من المؤسسات الدستورية وليس من جهات متعددة.
كما يمنح القرار الحكومة فرصة لإظهار قدرتها على تحقيق تقدم في ملف طالما اعتُبر من الملفات الشائكة التي تعاقبت عليها الحكومات دون الوصول إلى نتائج حاسمة.
رسائل داخلية وخارجية
يحمل القرار عدة رسائل في آن واحد. داخلياً، يؤكد التيار الصدري أنه ما زال متمسكاً بمشروع الدولة ومؤسساتها، وأنه مستعد لترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية تتجاوز الخطابات السياسية.
أما خارجياً، فإن القرار يبعث برسالة طمأنة إلى المجتمع الدولي والدول العربية بأن هناك قوى سياسية عراقية مؤثرة تتبنى رؤية تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة وتقوية سلطتها الأمنية.
ويعتقد بعض المحللين أن الصدر يسعى أيضاً إلى ترسيخ صورته كزعيم سياسي يتبنى مشروع الدولة الوطنية بعيداً عن أي انطباعات قد تربطه بمشاريع الفصائل المسلحة أو الصراعات الإقليمية.
هل تلتحق الفصائل الأخرى بهذا المسار؟
السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه بعد هذا الإعلان يتعلق بإمكانية أن تحذو بقية الفصائل المسلحة الخطوة نفسها.
المؤشرات الحالية لا توحي بإمكانية حدوث ذلك بصورة سريعة، فبعض الفصائل ما زالت ترى أن سلاحها جزء من عقيدتها السياسية والأمنية، وتعتقد أن الظروف الإقليمية الحالية لا تسمح بالتخلي عنه. كما أن هناك فصائل تعتبر نفسها جزءاً من منظومة “المقاومة” وترى أن دورها يتجاوز الإطار الأمني الداخلي.
لذلك فإن قرار الصدر قد يشكل سابقة سياسية مهمة، لكنه لا يعني بالضرورة أن بقية الفصائل ستسلك المسار نفسه في المدى القريب.
إعادة ترتيب البيت الصدري
القرار لا يمكن فصله عن سلسلة الإجراءات التي اتخذها الصدر خلال السنوات الأخيرة لإعادة تنظيم التيار الصدري وهيكلته. فقد شهد التيار مراجعات داخلية واسعة وإبعاد شخصيات بارزة وإعادة رسم الأدوار التنظيمية والسياسية.
ويبدو أن خطوة “سرايا السلام” تأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تقديم التيار كقوة سياسية واجتماعية تعمل ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، مع الابتعاد التدريجي عن أي مظاهر عسكرية أو تنظيمية موازية للمؤسسات الرسمية.
تحديات التنفيذ
ورغم أهمية الإعلان، فإن التحدي الحقيقي يكمن في آليات التطبيق. فعملية دمج الآلاف من المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة تحتاج إلى ترتيبات قانونية وإدارية وأمنية معقدة، تشمل تحديد جهة الارتباط الرسمية، وآليات نقل الأسلحة، وإعادة هيكلة التشكيلات بما ينسجم مع القوانين العسكرية والأمنية النافذة.
كما أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على قدرة الحكومة على إدارة الملف بصورة مهنية تضمن الحفاظ على الاستقرار الأمني وعدم خلق فراغات أو إشكالات تنظيمية خلال مرحلة الانتقال.
تحول سياسي أم بداية مسار جديد؟
في المحصلة، يمثل قرار فك ارتباط “سرايا السلام” أحد أهم التطورات السياسية والأمنية في العراق خلال السنوات الأخيرة، لأنه يلامس جوهر النقاش الدائر حول مستقبل السلاح ودور الدولة.
ورغم أن الطريق نحو حصر السلاح بيد الدولة ما يزال طويلاً ومعقداً، فإن هذه الخطوة تمنح الحكومة زخماً سياسياً جديداً، وتفتح الباب أمام مرحلة قد تشهد إعادة تعريف العلاقة بين القوى المسلحة والمؤسسات الرسمية، في وقت تتزايد فيه الدعوات لبناء دولة قوية تحتكر القرار الأمني والعسكري وتستند إلى مؤسسات قادرة على إدارة التحديات الداخلية والخارجية.





