د. هبة السامرائي
هناك ذنوب لا تحتاج إلى حركةٍ ولا إلى مالٍ ولا إلى جهدٍ كبير لارتكابها، بل قد يخطئ الإنسان فيها وهو جالس في مجلسٍ يظنه عابراً أو في حديثٍ يراه بسيطاً، أو في كلماتٍ يعتقد أنها لا تترك أثراً. ومن بين هذه الذنوب ما يتصل باللسان .. ذلك العضو الصغير الذي قد يرفع الإنسان بكلمة طيبة، وقد يهوي به بكلمة مؤذية.
فالكلمة أمانة، والحديث مسؤولية، والمجالس ليست أماكن خالية من الحساب، بل هي مواضع تُختبر فيها أخلاق الإنسان ووعيه وخوفه من الله. ومن أعظم ما حذّر منه ديننا الغيبة والنميمة ولهو الحديث، لما تحمله من إفساد للقلوب، وإشعال للخصومات، وإضاعة للحسنات التي جمعها الإنسان ربما بأعمال طويلة.
فالغيبة ليست مجرد حديث عن شخص غائب، بل هي انتقاص من كرامته في غيابه، وذكره بما يكره لو سمعه. وقد شبّهها القرآن بصورة عظيمة تهزّ النفس حين قال تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.
فهذا التصوير يبيّن بشاعة الفعل .. لأن الإنسان قد يبتعد عن أذى الجسد، لكنه قد لا ينتبه إلى أذى اللسان الذي يجرح غائباً لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
أما النميمة فهي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد أو إشعال الخلافات بينهم، وهي ليست مجرد نقل خبر، بل هي حمل للكلمات من مجلس إلى آخر حتى تتحول العلاقات إلى ساحة شكوك وسوء ظن…
وقد تكون كلمة واحدة سبباً في قطيعة بين صديقين، أو فتنة بين أفراد الأسرة، أو خصومة بين من كان بينهم الود.
والفرق بين الغيبة والنميمة أن الغيبة تتعلق بذكر عيوب الإنسان أو ما يكرهه في غيابه، أما النميمة فتتعلق بنقل الكلام بين الأطراف لإحداث الضرر أو زيادة التوتر. وقد يجتمع الأمران في مجلس واحد.. فيُذكر شخص بسوء، ثم يُنقل الكلام عنه، فتتضاعف الخسارة ويضيع حق الإنسان وحق المجلس.
أما لهو الحديث فهو أوسع من ذلك .. فهو كل حديث يصرف الإنسان عن الخير، ويشغله بما لا ينفع، ويأخذ وقته وقلبه بعيداً عن ما يزيده وعياً وقرباً من الله…
وليس كل حديثٍ عن الحياة لهواً، فالدين لا يمنع الإنسان من الترويح أو الحديث المباح، ولكن المشكلة حين يصبح الكلام قائماً على السخرية، والاستهزاء، وتتبع عيوب الآخرين، والخوض فيما لا يعني الإنسان.
فكم من مجلس بدأ بالضحك وانتهى بظلم إنسان لم يكن حاضراً، وكم من جلسة ظن أصحابها أنها مجرد تسلية، فإذا بها تحمل كلماتٍ تثقل الميزان يوم الحساب. فليس الخطر فقط في الكلمة التي تُقال، بل في الأثر الذي تتركه، وفي الحق الذي يُنتهك، وفي الحسنات التي قد تذهب بسببها.
إن المجالس تكشف حقيقة الإنسان .. ففيها يظهر مقدار احترامه للآخرين، وقدرته على حفظ الأسرار، ووعيه بأن ما يُقال في غياب الناس ليس ملكاً له. فالأحاديث التي تُقال بين الأصدقاء أو في المجالس هي أمانات، ومن علامات الأخلاق أن لا يجعل الإنسان من ثقة الآخرين به باباً للحديث عنهم.
ومن واجب الإنسان في المجالس أن يراقب لسانه قبل أن يتكلم، وأن يسأل نفسه هل هذا الكلام فيه فائدة؟ هل أرضى أن يُقال عني؟ هل هو إصلاح أم مجرد فضول؟ فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما نسمعه يُنقل.
كما أن من الأخلاق الرفيعة أن يكون للإنسان موقف عندما يبدأ مجلس بالغيبة أو النميمة .. فإما أن يغيّر مسار الحديث بلطف، أو يدافع عن الغائب، أو يبتعد عن المشاركة في الكلام الذي يؤذي الآخرين. فالصمت أحياناً ليس حياداً، بل قد يكون مشاركة إذا كان القلب راضياً واللسان حاضراً بالموافقة.
إن حفظ اللسان ليس مجرد ترك للكلام السيئ، بل هو تربية للنفس على الرحمة والعدل. فالإنسان النبيل لا يبحث عن عيوب الناس ليعرضها، بل يبحث عن الأعذار ليحفظ القلوب. ولا يجعل من مجالسه مكاناً تُهدر فيه كرامات الآخرين، بل يجعلها مجالس تُذكر فيها الكلمة الطيبة، ويُصان فيها الغائب قبل الحاضر.
وفي النهاية، تبقى الحسنات رأس مال الإنسان الحقيقي، وما أجمل أن يخرج من مجالسه وقد زادت حسناته، لا أن يخرج منها وقد وزّعها على من تحدث عنهم. فالكلمة التي نحفظها اليوم قد تكون نجاة لنا غداً، والكلمة التي نطلقها بلا حساب قد تكون سبباً في خسارة لا يشعر بها الإنسان إلا حين لا ينفع الندم.
فبين الغيبة والنميمة ولهو الحديث قد تضيع الحسنات، وبين حفظ اللسان وصدق النية ترتفع مكانة الإنسان ..
لأن جمال الأخلاق لا يظهر فقط فيما نفعله، بل يظهر أيضاً فيما نختار ألّا نقوله…







