رغد بنت زيد
على امتداد القرن الماضي شكّل العراق أحد أبرز الفاعلين في معادلات الشرق الأوسط السياسية والأمنية مستندًا إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي وموارده الاقتصادية وثقله الحضاري. إلا أن هذا الدور لم يكن ثابتًا أو مستقرًا بل خضع لتحولات عميقة فرضتها المتغيرات الداخلية والصراعات الإقليمية والدولية التي عصفت بالمنطقة.
فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 مرّ العراق بمراحل سياسية متباينة انعكست بصورة مباشرة على مكانته الإقليمية. ففي العهد الملكي الذي استمر حتى عام 1958 اتسمت السياسة العراقية بدرجة من الاستقرار النسبي والانخراط في التوازنات الإقليمية والدولية آنذاك مع سعي الدولة إلى بناء مؤسساتها وترسيخ حضورها في محيطها العربي.
لكن ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التحولات السياسية حيث دخل العراق عهد الجمهورية الذي شهد تغيرات متسارعة في طبيعة النظام السياسي ومراكز صنع القرار. وتعاقبت الحكومات والانقلابات العسكرية خلال سنوات الجمهورية الأولى قبل أن تستقر السلطة بيد حزب البعث عام 1968 لتبدأ مرحلة مختلفة اتسمت بمركزية الدولة وتعاظم دورها الإقليمي.
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي برز العراق بوصفه قوة إقليمية مؤثرة مستفيدًا من موارده النفطية الضخمة وتنامي قدراته العسكرية. غير أن هذا الصعود تزامن مع دخول البلاد في سلسلة من الحروب والصراعات الكبرى التي استنزفت مقدراتها وأثرت بشكل عميق في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية.
فبين عامي 1980 و2003 خاض العراق ثلاث حروب كبرى متتالية عُرفت مجتمعة باسم “حروب الخليج” بدأت بالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات ثم حرب الخليج الثانية عام 1991 عقب غزو الكويت وصولًا إلى الحرب التي قادتها الولايات المتحدة عام 2003 وأسفرت عن إسقاط النظام السابق. وقد أدت هذه الحروب إلى إعادة تشكيل موقع العراق في النظام الإقليمي بعدما انتقل من دولة تسعى إلى لعب دور قيادي إلى دولة تواجه تحديات داخلية وخارجية متراكمة.
ومع سقوط النظام السابق عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة قائمة على التعددية الحزبية والنظام البرلماني الاتحادي. ورغم أن هذه المرحلة فتحت المجال أمام مشاركة سياسية أوسع فإنها رافقتها تحديات معقدة تمثلت في ضعف مؤسسات الدولة وتصاعد الانقسامات السياسية وتزايد تأثير العوامل الخارجية في المشهد الداخلي.
كما انعكست هذه التحولات على السياسة الخارجية العراقية التي انتقلت من نهج المواجهة والصدام إلى محاولة تبني سياسة أكثر توازنًا تقوم على إدارة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية المختلفة. إلا أن هذا التوجه واجه عقبات متعددة أبرزها استمرار التوترات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية على الساحة العراقية.
وبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي لا يزال العراق يبحث عن صيغة مستقرة تُمكّنه من استعادة دوره الإقليمي بما يتناسب مع إمكاناته الجيوسياسية ومكانته التاريخية. فالعراق يمتلك مقومات تؤهله ليكون جسرًا للتواصل بين دول المنطقة بدل أن يبقى ساحة للتنافس والصراعات.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة العراقية اليوم لا يقتصر على تحقيق الاستقرار الداخلي فحسب بل يمتد إلى إعادة بناء رؤية استراتيجية للسياسة الخارجية تقوم على مبدأ المصالح الوطنية أولًا وتعزيز علاقات حسن الجوار والانفتاح المتوازن على مختلف الأطراف. فاستعادة العراق لدوره الإقليمي لا ترتبط فقط بما يمتلكه من موارد وإمكانات بل بقدرته على بناء دولة مستقرة وقادرة على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط والاستقطابات.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى يبقى العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه ودوره ليس باعتباره ساحة للأزمات بل شريكًا فاعلًا في صناعة الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون بين دول المنطقة.






