حرية
في عالم باتت فيه البيانات شرياناً أساسياً للاقتصاد والأمن والخدمات، يتجه العراق إلى تعزيز موقعه في خريطة الاتصالات الدولية، من خلال اتفاقيات جديدة لتمرير الإنترنت إلى أوروبا، في مسعى لا يقتصر على تحقيق عوائد اقتصادية، لكن الطريق إلى التحول لمركز دولي للبيانات لا يمر عبر الاتفاقيات وحدها؛ إذ يتطلب شبكة ألياف مستقلة، ومنافذ متعددة، ومراكز بيانات قادرة على ضمان استمرار الخدمة حتى في حالات الطوارئ.
ويقول وزير الاتصالات مصطفى سند في بيان صدر اليوم الجمعة 30 تشرين الأول 2026، إن”وزارته ستوقع في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، في العاصمة القطرية الدوحة عقوداً رسمية مع ثلاث دول مهمة لتمرير سعات الإنترنت الخاصة بها عبر العراق إلى أوروبا كـ”ترانزيت”.
ويضيف، أن”التوقيع سيجري على هامش أعمال وانتخابات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، بما يعزز موقع العراق كمركز إقليمي ونقطة ربط دولية لنقل البيانات، ليتصدر بذلك دول العالم في عدد سعات الترانزيت المارة عبر أراضيه خلال الأشهر الأربعة الأخيرة”.
هذه العقود التي ذكر سند في أكثر من مرة، أنها ستسهم في تعزيز موقع العراق على قائمة ممري الإنترنت وتأتي بإيرادات تصل إلى مليارات الدولارات إلى البلد، تبقى أمام تحديات عدة أبرزها البنى التحتية وطبيعة العقود، بالإضافة إلى أن العراق أصلا يعاني من ضعف في شبكة الإنترنت ويحتل المرتبة 115 بقائمة أقوى الدول في تقديم الخدمة.
وعن هذا الموضوع يقول الخبير التقني قصي الشمري في حديث لـ(حرية)، إن”العراق يمتلك فرصة واقعية ليصبح ممراً إقليمياً مهماً للبيانات، وهناك اتفاقيات معلنة تدعم هذا التوجه، ففي أيار 2025 أعلنت Zain Omantel International شراكة مع Horizon Scope وITPC لإنشاء ممر عبر العراق وتركيا باتجاه أوروبا، وفي تشرين الأول 2026 أعلنت OFN وiQ Networks اتفاقاً لدعم الامتداد البري عبر العراق نحو تركيا وأوروبا، بالارتباط بمشروع الكابل البحري FIG، هذه شواهد على اهتمام تجاري بموقع العراق، مع ضرورة التمييز بين الاتفاقيات المعلنة والتشغيل التجاري المثبت”.
ويضيف، أنه”إقليمياً، توجد منافسة على استثمارات الربط ومراكز البيانات؛ فقد أعلنت stc في شباط 2026 ترسية مشروع Silklink في سوريا، شاملاً شبكة ألياف ومراكز بيانات ومحطات إنزال بحرية. وتقديري أن فرصة العراق تكمن في تقديم مسار إضافي موثوق ومنافس يساهم في توزيع المخاطر الإقليمية”.
ويشير إلى، أنه”لتحويل الفرصة إلى عائد اقتصادي، أوصي بإعطاء الأولوية لمسارات ألياف متباعدة داخل البلاد، ومنافذ دولية متعددة، ومراكز بيانات محايدة تتيح ربط عدة مشغلين، وطاقة وصيانة وحماية تشغيلية مستمرة ويمكن دراسة الاستفادة من مشاريع النقل، ومنها طريق التنمية، لخفض كلفة تمديد الألياف حيث تثبت الجدوى، مع توفير بدائل مستقلة جغرافياً”.
ويؤكد، أن”ذلك يحتاج إلى إجراءات واضحة للترخيص وحقوق المرور، وتنسيق مؤسسي بين الجهات المعنية اتحادياً وفي الإقليم، واتفاقيات عبور وصيانة مستقرة، وأسعار ومستويات خدمة تنافسية، كما ينبغي ربط التوسع بطلب تجاري وتعاقدات قابلة للتحقق لضمان استدامة الاستثمار، أما تحمل انقطاع الاتصال عبر إحدى الدول، فيتطلب بديلاً يتجاوزها فعلياً، ولا يعود إلى نقطة الاختناق نفسها، مع سعة محجوزة وتحويل مختبر، وهذا يتسق مع توصيات الاتحاد الدولي للاتصالات بشأن التنوع الجغرافي والتكرار الاحتياطي”، مبينا أن”الموقع يمنح العراق فرصة، والاعتمادية المثبتة هي ما يحولها إلى مكانة إقليمية مستدامة”.
وعن تحديات البنى التحتية، يوضح الشمري، أن”أبرز ما ينبغي تقييمه في البنية التحتية العراقية هو استقلال مسارات الاتصال، وكفاية السعات البديلة، وقدرة الخدمات المحلية على الاستمرار عند اضطراب الاتصال الخارجي، وهذا التقييم يعزز أهمية أن مؤشر مرونة الإنترنت الصادر عن Internet Society ويمنح العراق 50 درجة من أصل 100، مقابل متوسط يبلغ 57 لغرب آسيا، بينما تبلغ درجته في محور البنية التحتية 33 من أصل 100، وهذه مؤشرات تدعو إلى تطوير المرونة، لكنها لا تحدد بمفردها سبب انقطاع معين أو مسؤولية جهة عنه”.
ويشير إلى، أن”تعدد الشركات المجهزة أو المنافذ الحدودية لا يكفي لإثبات استقلال الاتصال؛ فقد تلتقي المسارات لاحقاً في كابل واحد أو محطة عبور مشتركة وهذه المخاطر ليست خاصة بالعراق؛ فقد حدد تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات، المعتمد في تموز 2026، التركز الجغرافي للبنية التحتية والاعتماد على عدد محدود من أنظمة الكابلات ضمن تحديات المرونة، وأوصى بتعزيز التنوع الجغرافي والاستعداد للأعطال، وبناءً على ذلك، أوصي بتدقيق المسارات من الشبكات العراقية حتى نقاط اتصالها الدولية، والتحقق من نقاط الفشل المشتركة، ثم تضمين عقود السعات متطلبات قابلة للقياس تخص استقلال المسار، والسعة المتاحة أثناء الطوارئ، وزمن التحويل، فالبديل الذي لا يستوعب الأحمال المطلوبة قد يمنع الانقطاع الكامل، لكنه يترك الخدمة عرضة للازدحام”.
ويشدد، على”ضرورة اختبار هذه الالتزامات بمحاكاة فقدان مسار رئيسي تحت أحمال مرتفعة، مع تعزيز الطاقة الاحتياطية والصيانة والتنسيق مع دول العبور، والمعيار المهني هو مقدار الخدمة التي تستمر أثناء الأزمة، والزمن اللازم لاستعادة أدائها”.
وبشأن الاستقلالية الرقمية، يقول الشمري، أنها”تعني امتلاك خيارات متعددة للاتصال، وقدرة وطنية على استمرار الخدمات الأساسية عند اضطراب أحدها، ويمكن للعراق تعزيز هذه القدرة عبر تقوية الشبكة الداخلية، وتوطين الخدمات المناسبة، وتنويع الارتباط الدولي”.
ويلفت إلى، أن”العراق يمتلك أساساً قائماً يمكن البناء عليه؛ إذ تؤكد DE-CIX تشغيل نقطة تبادل الإنترنت IRAQ-IXP في بغداد، بما يتيح الربط المباشر بين الشبكات وتوطين حركة البيانات والمحتوى، كما توضح Internet Society أن التبادل المحلي يساعد الشبكات على استمرار تبادل الحركة المحلية عند تعطل الاتصال الدولي. لذلك فإن توسيع المشاركة في التبادل المحلي واستقطاب مزودي المحتوى يمثلان استثماراً عملياً في استمرارية الخدمة، لكن توطين الخدمة يحتاج إلى فحص اعتمادياتها كاملة؛ فقد يكون خادم التطبيق داخل العراق بينما تعتمد المصادقة أو أسماء النطاقات أو بعض مكوناته على خدمات خارجية، أوصي لذلك باختبار التطبيقات الأساسية من بدايتها إلى نهايتها أثناء فقدان الاتصال الخارجي، وتحديد ما يمكن أن يستمر محلياً، وما يحتاج إلى بديل دولي”.
ويتابع: “أما الاتصال الخارجي، فينبغي توزيعه على مسارات ومجهزين ومناطق عبور مختلفة، مع حجز سعات للطوارئ مسبقاً. ويمكن دراسة الاتصال الفضائي للخدمات الحرجة ضمن متطلبات الترخيص والسعة والتكلفة؛ فتقرير الاتصال العالمي لعام 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات يوضح دور الأقمار الصناعية في توفير مسارات بديلة أثناء الأعطال والطوارئ ضمن منظومة اتصال متكاملة”.
ويضيف، أنه”من الناحية التقنية، يمكن بناء شبكة عراقية أكثر قدرة على الصمود. أما ضمان الاستمرارية، فيجب تحديده بسيناريوهات واضحة: أي عطل تتحمله الشبكة، وأي خدمات تستمر، وبأي أداء، وخلال أي زمن للاستعادة. هذه التزامات قابلة للهندسة والاختبار والمحاسبة”.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت شركة OFN، الذراع الدولية لمجموعة Ooredoo، اتفاقاً مع شركة iQ Networks العراقية لشراء أزواج من الألياف الضوئية المظلمة، بهدف توفير مسار بري لنقل البيانات عبر العراق باتجاه تركيا وأوروبا. ويرتبط المشروع بخطط إنزال كابل Fibre in Gulf (FIG) البحري في العراق، ضمن مسار يستهدف ربط الخليج بتركيا وأوروبا. لكن تنفيذ المسار لا يزال مرتبطاً باستكمال الموافقات التنظيمية والحكومية اللازمة.
وتتسابق دول المنطقة وشركات الاتصالات على تطوير مسارات تربط الخليج بتركيا وأوروبا، للاستفادة من الطلب المتزايد على نقل البيانات وخدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وفي هذا السياق، تمثل المشاريع المعلنة عبر العراق فرصة للدخول في سوق العبور الدولي، لكن قدرتها على جذب العملاء ستعتمد على كلفة الخدمة وسعتها وموثوقيتها مقارنة بالمسارات المنافسة.







