رغد بنت زيد
منذ نهاية الحرب الباردة برزت الولايات المتحدة باعتبارها القوة الدولية الأكثر تأثيرًا في تشكيل النظم السياسية حول العالم واضعةً مفاهيم مثل الديمقراطية وسيادة القانون والحكم الرشيد في صلب خطابها السياسي الخارجي. وفي منطقة الشرق الأوسط ظل الحديث عن “دولة المؤسسات” أحد أبرز العناوين التي رافقت المبادرات الأمريكية الرامية إلى إعادة بناء الأنظمة السياسية أو دعم عمليات الإصلاح في عدد من الدول.
ويُقصد بدولة المؤسسات ذلك النموذج الذي تُدار فيه شؤون الدولة عبر أجهزة دستورية وقانونية مستقلة نسبيًا عن الأفراد بحيث تستمر مؤسسات الحكم في أداء وظائفها بغض النظر عن تغير الحكومات أو القيادات السياسية. ويقوم هذا النموذج على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وخضوع الجميع للقانون إضافة إلى وجود أجهزة رقابية وإدارية تتمتع بالكفاءة والاستمرارية.
وتُعد الولايات المتحدة نفسها نموذجًا لدولة المؤسسات إذ يعتمد النظام السياسي الأمريكي على شبكة معقدة من المؤسسات الدستورية التي توازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. كما أن انتقال السلطة بين الأحزاب المختلفة لم يؤدِ تاريخيًا إلى انهيار مؤسسات الدولة أو تغيير قواعد النظام السياسي الأساسية وهو ما جعل من المؤسسية ركيزة أساسية في استقرار النظام الأمريكي رغم الانقسامات السياسية الحادة التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تسعى واشنطن بالفعل إلى نشر ثقافة الحكم المؤسسي في الشرق الأوسط أم أن الأمر يرتبط بمصالحها الاستراتيجية أكثر من ارتباطه بمشروع سياسي أو فكري؟
يرى مؤيدو السياسة الأمريكية أن واشنطن دعمت خلال العقود الماضية برامج إصلاح إداري وقضائي في عدد من دول المنطقة كما شجعت على بناء مؤسسات انتخابية ورقابية وتعزيز دور المجتمع المدني. ويشير هؤلاء إلى أن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مؤسسات قوية قادرة على إدارة الخلافات السياسية وفق الأطر القانونية والدستورية.
في المقابل يعتقد منتقدو هذه السياسة أن الولايات المتحدة تتعامل مع مفهوم الحكم المؤسسي بانتقائية إذ تدعمه في بعض الحالات وتتجاهله في حالات أخرى عندما تتعارض الأولويات الديمقراطية مع المصالح الأمنية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بتاريخ طويل من التحالفات الأمريكية مع أنظمة لا تُعد نماذج كاملة للحكم المؤسسي ما يثير تساؤلات حول مدى التزام واشنطن الفعلي بهذا النهج.
وتُعد التجربة العراقية بعد عام 2003 من أبرز النماذج المرتبطة بهذا الجدل. فقد رفعت الولايات المتحدة شعار بناء مؤسسات ديمقراطية حديثة بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلا أن التحديات الأمنية والسياسية والانقسامات الداخلية جعلت عملية بناء المؤسسات أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. ورغم تأسيس برلمان منتخب وهيئات دستورية وقضائية متعددة فإن النقاش لا يزال قائمًا حول مدى نجاح هذه المؤسسات في تحقيق الاستقلالية والفاعلية المطلوبة.
واليوم يعود الحديث عن دولة المؤسسات إلى الواجهة مع صعود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الذي يجد نفسه أمام تحدٍ استثنائي يتمثل في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة القادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات وتحقيق التنمية الاقتصادية في آن واحد.
ويرى مراقبون أن الزيدي القادم من عالم المال والأعمال قد يحمل رؤية مختلفة عن النخب السياسية التقليدية التي حكمت العراق خلال العقود الماضية. فالرجل الذي راكم خبرة واسعة في قطاع الأعمال والاستثمار قد يميل إلى إدارة الدولة بعقلية تركز على النتائج والإنجازات الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال وتنفيذ المشاريع الكبرى وهي مقاربة يرى البعض أنها تشبه إلى حد ما الأسلوب الذي اتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة العديد من الملفات السياسية والاقتصادية.
غير أن تطبيق نموذج يقوم على عقلية “الصفقات” في العراق يواجه تحديات تختلف جذريًا عن البيئة الأمريكية. فالولايات المتحدة تمتلك مؤسسات راسخة قادرة على ضبط أداء السلطة التنفيذية مهما كانت شخصية الرئيس بينما لا تزال الدولة العراقية تعاني من إرث طويل من البيروقراطية والصراعات السياسية والمحاصصة وتضارب المصالح بين القوى المختلفة.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يسعى الزيدي إلى بناء دولة على الطريقة الأمريكية القائمة على المؤسسات القوية أم أنه سيعتمد نموذجًا إداريًا يركز على المشاريع والاستثمارات والاتفاقات الاقتصادية بوصفها المدخل الرئيسي للإصلاح؟
الواقع يشير إلى أن الخيارين ليسا متناقضين بالضرورة. فالتجارب الدولية الناجحة أثبتت أن النمو الاقتصادي يحتاج إلى مؤسسات قوية تحميه كما أن المؤسسات لا تكتسب شرعيتها الشعبية إلا عندما تنجح في تحسين حياة المواطنين. لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام حكومة الزيدي يتمثل في الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والحكم المؤسسي بحيث تتحول المشاريع والاستثمارات إلى أدوات لبناء الدولة لا بدائل عنها.
وفي حال نجح الزيدي في تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية وتفعيل مبدأ الكفاءة في الإدارة العامة وتقليص تأثير المحاصصة على مفاصل الدولة فإن العراق قد يخطو خطوة مهمة نحو ترسيخ مفهوم دولة المؤسسات. أما إذا اقتصر الإصلاح على عقد الصفقات الاقتصادية وإطلاق المشاريع دون معالجة الخلل البنيوي في مؤسسات الدولة فقد تبقى الإنجازات مرهونة بالأشخاص لا بالنظام نفسه.
وفي النهاية لا يبدو أن مستقبل العراق سيتحدد بحجم الاستثمارات أو المشاريع التي تُعلن فحسب بل بمدى قدرة الدولة على بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار. فالدول القوية لا تُقاس فقط بما تنجزه حكوماتها في الحاضر بل بقدرتها على ضمان استمرارية الإنجاز بعد رحيل تلك الحكومات. وهنا تكمن المعادلة الأصعب أمام علي الزيدي: هل ينجح في تأسيس دولة مؤسسات حقيقية، أم سيبقى العراق أسيرًا لنموذج يعتمد على قوة الأشخاص أكثر من قوة الدولة؟







