حرية
استضاف الأردن اجتماعاً عسكرياً رفيع المستوى جمع قيادات عسكرية من الأردن والعراق وسوريا وإقليم كردستان، في خطوة تعكس اتجاهاً متزايداً نحو تعزيز التنسيق الأمني بين دول المنطقة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وشارك في الاجتماع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردنية اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش والقوات المسلحة السورية، ورئيس أركان الجيش العراقي، إلى جانب وزير شؤون البيشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق، حيث ناقش المجتمعون ملفات أمن المنطقة وحماية الحدود وتبادل المعلومات والخبرات.
ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للدول المشاركة، التي تتقاطع حدودها مع مسارات رئيسية لتهريب الأسلحة والمخدرات وتسلل الجماعات المسلحة، فضلاً عن تداعيات الصراعات الإقليمية التي باتت تضغط بصورة مباشرة على أمن الحدود العراقية والسورية والأردنية.
ما وراء الاجتماع
اللافت في الاجتماع أنه جمع أطرافاً ترتبط حدودها ومصالحها الأمنية بصورة مباشرة، بما يمكن أن يشكل نواة لتنسيق أوسع في ملفات أمن الحدود، خصوصاً بين العراق وسوريا والأردن.
فالعراق ينظر إلى الحدود الغربية والشمالية الغربية باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومة أمنه القومي، فيما تواجه سوريا تحديات متشابكة مرتبطة بالحدود والجماعات المسلحة وشبكات التهريب. أما الأردن، فيتعامل مع حدوده الشمالية والشرقية باعتبارها خطوطاً أمامية في مواجهة تهريب المخدرات والأسلحة والتسلل.
ومن هنا، فإن تأكيد المجتمعين على تبادل المعلومات والخبرات ورفع مستوى الجاهزية لا يبدو مجرد تعاون عسكري تقليدي، بل محاولة لبناء آلية أمنية إقليمية قادرة على التعامل مع التهديدات قبل انتقالها من دولة إلى أخرى.
حضور البيشمركة.. رسالة أمنية وسياسية
مشاركة وزير شؤون البيشمركة في الاجتماع تحمل أيضاً دلالة مهمة، إذ تعكس محاولة إدخال مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية الفاعلة في منظومة التنسيق الإقليمي، بدلاً من حصر الاتصالات بالجيش الاتحادي وحده.
وهذا قد يفتح الباب أمام تنسيق أكبر بين بغداد وأربيل في ملف أمن الحدود، خصوصاً أن التحديات الأمنية في المناطق الحدودية لا تتوقف عند الحدود الإدارية بين المركز والإقليم، وإنما ترتبط بمسارات إقليمية أوسع.
واشنطن حاضرة في المشهد
وفي تطور لافت، جاء لقاء قائد الجيش الأردني مع قائد القيادة المركزية الأميركية على هامش الاجتماع، لبحث التعاون العسكري والتطورات الأمنية في المنطقة.
هذا اللقاء يضيف بعداً أميركياً إلى الاجتماع الإقليمي، ويشير إلى أن ترتيبات أمن الحدود لا تجري بمعزل عن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، خصوصاً مع استمرار واشنطن في مراقبة تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتهديدات التي يمكن أن تؤثر في مصالحها وقواعدها وشركائها الإقليميين.
وبالتالي، فإن اجتماع عمّان يحمل مستويين متوازيين: تنسيق إقليمي بين دول الجوار، واتصال مباشر مع المنظومة الأمنية الأميركية.
العراق أمام اختبار جديد
بالنسبة إلى العراق، يأتي الاجتماع في توقيت حساس أمنياً، مع استمرار مساعي الحكومة لتعزيز سيطرة الدولة على القرار الأمني وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.
ومن شأن تطوير التعاون مع الأردن وسوريا أن يمنح بغداد مساحة أكبر للتعامل مع المخاطر الحدودية عبر العمل الاستخباري المشترك بدلاً من الاقتصار على الإجراءات العسكرية داخل الأراضي العراقية.
كما أن تعزيز أمن الحدود يمثل عاملاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الجانب العسكري، خصوصاً مع مشاريع الربط الإقليمي وطريق التنمية التي تراهن بغداد على تحويلها إلى ممر تجاري رئيسي يربط الخليج بتركيا وأوروبا.
اجتماع الأردن ليس مجرد لقاء عسكري لتبادل وجهات النظر، بل يأتي ضمن محاولة لإعادة بناء منظومة أمن إقليمية أكثر ترابطاً في منطقة تتداخل فيها الحدود مع ملفات الإرهاب والتهريب والصراعات المسلحة والنفوذ الدولي.
والاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة هذه الدول على تحويل التنسيق السياسي والعسكري إلى آليات ميدانية مشتركة لتبادل المعلومات ومراقبة الحدود والاستجابة السريعة للتهديدات.
وفي حال تطور هذا المسار، فقد يصبح الأردن مركزاً مهماً لتنسيق أمني إقليمي يضم العراق وسوريا وإقليم كردستان، مع بقاء الولايات المتحدة طرفاً مؤثراً في المشهد من خلال قيادتها العسكرية وعلاقاتها الأمنية مع دول المنطقة.







