حرية
حوار جاد لحصر السلاح بعد 30 أيلول.. هل يفتح انسحاب التحالف الدولي الطريق لإنهاء السلاح خارج الدولة؟
أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، مساء السبت، استمرار الحوار مع الفصائل المسلحة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن المرحلة التي تعقب انسحاب التحالف الدولي في 30 أيلول/سبتمبر المقبل قد تشكل فرصة مهمة لإطلاق حوار أكثر جدية لحسم هذا الملف.
وقال الأعرجي، في لقاء متلفز، إن الفصائل ملتزمة في الوقت الحالي بعدم تنفيذ أي أعمال ضد دول الجوار أو داخل العراق، مؤكداً وجود توجه لإنهاء الملفات التي يمكن أن تسبب الأذى للعراق أو تؤثر في علاقاته ومصالحه الإقليمية.
وأوضح أن قرار حصر السلاح يستهدف جميع القوى التي تعمل خارج الإطار الدستوري والقانوني للدولة، مشدداً على أن قوات البيشمركة تعمل ضمن إطار الدستور العراقي، وبالتالي لا تدخل ضمن مفهوم السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
وأضاف أن انسحاب التحالف الدولي لا يعني انتهاء العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، إذ سيستمر تبادل المعلومات والتنسيق الأمني بين الجانبين، ولا سيما في الملفات المرتبطة بمكافحة الإرهاب وملاحقة تنظيم داعش.
وفي الشأن الإقليمي، أكد الأعرجي أن العراق يسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران والولايات المتحدة، مشيراً إلى رغبة بغداد في لعب دور إيجابي يخفف التوترات ويحول دون استخدام الأراضي العراقية ساحة للصراعات الإقليمية.
كما شدد على أهمية التعاون الأمني بين العراق ودول الخليج وإيران، لافتاً إلى أن بغداد تتواصل مع مختلف الأطراف بشأن الملفات الأمنية التي تهدد المنطقة.
وفي ما يتعلق بالوجود التركي داخل الأراضي العراقية، قال الأعرجي إن الظروف التي أدت إلى وجود القوات التركية يمكن أن تنتهي مع إنهاء ملف حزب العمال الكوردستاني، مؤكداً أن وجود مقاتلي الحزب داخل العراق غير شرعي وأن بغداد تعمل مع أنقرة لمعالجة هذا الملف.
وكان العراق والولايات المتحدة قد اتفقا في أيلول/سبتمبر 2024 على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق، على أن تُستكمل المرحلة الأخيرة من الانسحاب بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2026.
ويتزامن هذا الموعد مع تصاعد النقاش السياسي والأمني بشأن مستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية، إذ ربطت بعض الفصائل سابقاً مستقبل سلاحها بوجود القوات الأجنبية، ما يجعل موعد 30 أيلول محطة سياسية وأمنية مفصلية.
كما حذر ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم قوى سياسية شيعية وسنية وكردية، من أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد هذا الموعد قد يجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب.
هل يسقط مبرر السلاح بعد 30 أيلول؟
تكمن أهمية تصريحات الأعرجي في أنها تربط، للمرة الأولى بصورة واضحة، بين انسحاب التحالف الدولي وفتح مرحلة جديدة من الحوار بشأن حصر السلاح. فوجود القوات الأجنبية كان أحد أبرز المبررات التي استندت إليها بعض الفصائل للإبقاء على سلاحها، تحت عنوان مواجهة الوجود العسكري الخارجي وحماية البلاد.
لكن اكتمال انسحاب التحالف من العراق في 30 أيلول قد يسحب جزءاً أساسياً من هذا المبرر، وينقل النقاش من سؤال «لماذا تحتفظ الفصائل بالسلاح؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «كيف يمكن أن يستمر وجود أي سلاح خارج قيادة الدولة بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف؟»
وهنا يبدو أن الحكومة تراهن على الحوار بدلاً من المواجهة. فالأعرجي تحدث عن «حوار جاد» وليس عن حملة عسكرية، في إشارة إلى أن بغداد تدرك حساسية الملف وتشابكه السياسي والعسكري، وأن أي محاولة لفرض الحل بالقوة قد تفتح الباب أمام صدام داخلي لا يحتمله العراق.
في المقابل، فإن تحذير ائتلاف إدارة الدولة من التعامل مع أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة وفق قانون مكافحة الإرهاب بعد 30 أيلول يمنح المرحلة المقبلة بعداً مختلفاً. إذ إن الخطاب السياسي قد ينتقل من مرحلة الحوار حول ترتيب وضع السلاح إلى مرحلة وضع سقف قانوني واضح لاستمرار أي تشكيل مسلح خارج المؤسسات الرسمية.
بين الحوار والقانون
المعادلة التي تواجه الحكومة ليست سهلة. فنجاح الحوار يتطلب توفير ضمانات سياسية وأمنية للفصائل، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مبدأ أساسي يتمثل في وحدة القرار العسكري واحتكار الدولة لاستخدام القوة.
وقد يكون الحل الأكثر واقعية هو الانتقال التدريجي، عبر تنظيم أوضاع المقاتلين ودمج من تنطبق عليه الشروط ضمن المؤسسات الأمنية، ومعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بالتشكيلات المسلحة، مقابل إنهاء أي قرار عسكري مستقل خارج قيادة القائد العام للقوات المسلحة.
لكن التحدي الحقيقي لن يكون في الإعلان عن حصر السلاح، بل في من يملك قرار استخدامه. فالدولة لا تكتمل سيادتها بوجود أسلحة مسجلة رسمياً فقط، وإنما بوجود قيادة واحدة وقرار أمني وعسكري واحد.
30 أيلول.. موعد اختبار الدولة
من المرجح أن يتحول 30 أيلول من مجرد موعد لاستكمال انسحاب التحالف الدولي إلى محطة لاختبار قدرة الدولة العراقية على تنفيذ أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
فإذا نجحت الحكومة في استثمار انسحاب القوات الأجنبية لإزالة الذرائع، وتحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية، فقد يكون العراق أمام بداية مرحلة جديدة عنوانها الدولة أولاً وقرار السلاح بيد مؤسساتها.
أما إذا بقي الحوار مفتوحاً من دون جدول زمني واضح أو خطوات تنفيذية، فقد يتحول انسحاب التحالف إلى مجرد حدث منفصل، بينما يبقى ملف السلاح مؤجلاً، وتبقى الدولة أمام اختبار لم يكتمل بعد.
ويبقى السؤال الأهم بعد 30 أيلول: هل تنتهي مبررات السلاح خارج الدولة، أم ستظهر مبررات جديدة تؤجل الحسم مرة أخرى؟







