حرية
أكد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، اليوم الثلاثاء، أن العراق وتركيا يمتلكان فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة التعاون الاقتصادي في المنطقة، مشدداً على أن مشروع طريق التنمية يمثل منصة استراتيجية لتحويل البلدين إلى حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا، فيما دعا إلى اعتماد إدارة مشتركة لملف المياه تقوم على المصالح المتبادلة والتعاون العلمي.
وفي مقال نشرته وكالة الأناضول التركية الرسمية، أوضح الزيدي أن العلاقات العراقية – التركية ظلت لسنوات طويلة تُناقش من زاوية الملفات التقليدية، مثل الأمن والمياه والتجارة وحركة الحدود، إلا أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال إلى رؤية أكثر طموحاً تقوم على الشراكة الاقتصادية والتنموية.
وأشار إلى أن العراق اختار مسار الاستقرار والإصلاح الاقتصادي، معتمداً سياسة خارجية متوازنة تجعل من التعاون الإقليمي أحد محركات النمو، لافتاً إلى أن تركيا تمتلك قاعدة صناعية متطورة وخبرة واسعة في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية، وهو ما يفتح الباب أمام تكامل اقتصادي واسع بين البلدين.
وأكد أن الإمكانات المشتركة للعراق وتركيا لا تقتصر على الجوار الجغرافي، بل تمتد إلى إمكانية بناء واحدة من أكبر الشراكات الاقتصادية في الشرق الأوسط، وتحويل الموقع الجغرافي للبلدين إلى قيمة اقتصادية تربط الخليج وآسيا بالأسواق الأوروبية.
طريق التنمية.. مشروع يتجاوز الحدود
وصف الزيدي مشروع طريق التنمية بأنه مشروع إقليمي يتجاوز كونه مشروعاً عراقياً، مؤكداً أنه يعيد تعريف مفهوم الربط الاقتصادي في الشرق الأوسط، من خلال إنشاء ممر استراتيجي يربط الموانئ العراقية بالأسواق العالمية عبر تركيا.
وأوضح أن المشروع لا يهدف فقط إلى تقليص زمن نقل البضائع، بل يسهم في إنشاء مدن جديدة، ومناطق صناعية، وفرص استثمارية، وتوفير آلاف فرص العمل، بما يجعله محركاً للتنمية الاقتصادية الإقليمية.
المياه.. من ملف خلاف إلى شراكة
وفي ملف المياه، شدد رئيس الوزراء على أن القضية لم تعد ذات طابع فني فقط، بل أصبحت قضية تنموية واستراتيجية تمس الأمن المائي والغذائي لملايين المواطنين.
ودعا إلى اعتماد إدارة مشتركة للموارد المائية بين العراق وتركيا، تقوم على التعاون العلمي، والاستثمار في التقنيات الحديثة، بما يحقق مصالح البلدين ويؤسس لعلاقة أكثر استدامة في هذا الملف الحساس.
زيارة مرتقبة إلى أنقرة
وتأتي هذه المواقف قبل زيارة رسمية مرتقبة يجريها الزيدي إلى العاصمة التركية أنقرة على رأس وفد حكومي رفيع، لبحث ملفات التعاون الثنائي، وفي مقدمتها الأمن، والمياه، والاستثمار، والتبادل التجاري، إضافة إلى التطورات الإقليمية.
ويعد مشروع طريق التنمية أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندة المباحثات، بعد توقيع الاتفاقية الرباعية بين العراق وتركيا والإمارات وقطر في نيسان/أبريل 2024، والتي وضعت الإطار التنفيذي للمشروع.
تعكس تصريحات الزيدي تحولاً في الخطاب العراقي تجاه تركيا، من التركيز على إدارة الأزمات إلى بناء المصالح المشتركة، في محاولة لتحويل الملفات الخلافية إلى فرص للتعاون الاقتصادي.
ويظهر مشروع طريق التنمية بوصفه حجر الأساس لهذه الرؤية، إذ تسعى بغداد إلى استثمار موقعها الجغرافي لتكون مركزاً إقليمياً للنقل والتجارة، بما يقلل اعتماد الاقتصاد على الإيرادات النفطية ويعزز التنويع الاقتصادي.
الاقتصاد يقود السياسة
يراهن العراق على أن المصالح الاقتصادية الكبرى ستمنح العلاقات مع تركيا زخماً جديداً، بحيث تصبح الاستثمارات والتبادل التجاري والمشاريع المشتركة عوامل استقرار، قادرة على تخفيف حدة الخلافات التقليدية، ولا سيما في ملفي الأمن والمياه.
ملف المياه.. اختبار حقيقي
ورغم الدعوة إلى إدارة مشتركة للمياه، يبقى هذا الملف من أكثر القضايا تعقيداً بين البلدين، نظراً لارتباطه بالسدود التركية على نهري دجلة والفرات، وتأثيرها على الحصص المائية للعراق. ومن ثم، فإن نجاح الزيارة المرتقبة قد يقاس بقدرة الطرفين على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى آليات تنفيذية واضحة ومستدامة.
طريق التنمية ورؤية العراق الاقتصادية
يمثل المشروع أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في المنطقة، إذ يهدف إلى إنشاء ممر بري وسكة حديد بطول نحو 1200 كيلومتر داخل العراق، باستثمارات تقدر بنحو 17 مليار دولار، مع توقعات بتوفير مئات الآلاف من فرص العمل وتعزيز مكانة العراق كمركز لوجستي يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي التركية.
تعكس رسالة رئيس الوزراء علي الزيدي توجهاً نحو إعادة صياغة العلاقات العراقية – التركية على أساس الشراكة الاقتصادية والتكامل الإقليمي، مع وضع طريق التنمية في صدارة أولويات التعاون، بالتوازي مع السعي إلى بناء مقاربة جديدة لمعالجة ملف المياه. وستشكل الزيارة المرتقبة إلى أنقرة اختباراً عملياً لقدرة الجانبين على ترجمة هذه الرؤية إلى اتفاقات ومشاريع تعزز الاستقرار والتنمية في المنطقة.







