حرية
بدأت أوكرانيا جني ثمار سنوات الحرب مع روسيا عبر تحويل خبرتها القتالية المتراكمة في مجال الطائرات المسيّرة إلى ورقة نفوذ اقتصادية وعسكرية، بعدما كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن مفاوضات متقدمة مع دول في الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي لإبرام اتفاقيات تتعلق بشراء المسيّرات الأوكرانية وتدريب الكوادر العسكرية على استخدامها.
ويعكس هذا التوجه تحولاً استراتيجياً في مكانة الصناعات الدفاعية الأوكرانية، التي انتقلت خلال سنوات الحرب من الاعتماد على الدعم الغربي إلى تطوير منظومات محلية أثبتت فعاليتها في استهداف منشآت عسكرية ونفطية وبنى تحتية داخل العمق الروسي، على مسافات تجاوزت أحياناً ألف كيلومتر.
خبرة ميدانية تبحث عن أسواق جديدة
تصريحات زيلينسكي تكشف أن كييف لا تسعى فقط إلى بيع منتجات عسكرية، بل إلى تصدير نموذج كامل قائم على الخبرة العملياتية التي اكتسبتها القوات الأوكرانية في إدارة حرب المسيّرات الحديثة. فالحرب مع روسيا تحولت إلى مختبر عسكري مفتوح أنتج أجيالاً متعددة من الطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية والانتحارية، فضلاً عن تطوير تكتيكات تشغيلية أصبحت محل اهتمام العديد من الجيوش حول العالم.
ولهذا السبب تبدو بعض دول الشرق الأوسط مهتمة بالحصول على هذه التكنولوجيا، خصوصاً في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة التي تواجهها المنطقة، سواء المرتبطة بحماية المنشآت الحيوية أو مراقبة الحدود أو مواجهة الهجمات بالطائرات المسيّرة.
رسالة غير مباشرة إلى واشنطن
ما يلفت الانتباه أن هذه التحركات تأتي في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب التقليل من أهمية الخبرة الأوكرانية في مجال الطائرات المسيّرة، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى دعم كييف في هذا الملف.
إلا أن زيلينسكي حاول توجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن اهتمام دول الشرق الأوسط وأوروبا بالمسيرات الأوكرانية يمثل دليلاً عملياً على القيمة العسكرية التي اكتسبتها أوكرانيا خلال الحرب. كما أشار إلى أن التعاون مع الولايات المتحدة يمكن أن يكون متبادلاً، بحيث تستفيد واشنطن من الخبرة القتالية الأوكرانية، بينما تستفيد كييف من القدرات الأميركية المتقدمة في الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية.
الشرق الأوسط.. سوق واعدة للمسيّرات
يأتي الاهتمام الإقليمي بالمسيّرات الأوكرانية في ظل سباق متسارع على تقنيات الطائرات غير المأهولة، بعد أن أثبتت الحروب الأخيرة أن المسيّرات أصبحت أحد أهم عناصر القوة العسكرية الحديثة.
وتدرك دول المنطقة أن كلفة المسيّرات أقل بكثير من الطائرات التقليدية، فيما توفر قدرة عالية على المراقبة والاستهداف وتنفيذ العمليات الدقيقة، الأمر الذي يجعلها خياراً مثالياً للجيوش التي تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية بتكاليف أقل.
كما أن تعرض عدد من دول الشرق الأوسط سابقاً لهجمات بطائرات “شاهد” الإيرانية عزز الاهتمام بالبحث عن أنظمة مضادة أو بدائل تقنية قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات.
تصعيد ميداني يعزز القيمة التسويقية
بالتوازي مع هذه التحركات، تواصل أوكرانيا إثبات فعالية مسيّراتها عملياً عبر استهداف مصافٍ نفطية ومحطات ضخ ومستودعات وقود داخل الأراضي الروسية، وهو ما يمنح الصناعات الدفاعية الأوكرانية ميزة تسويقية مهمة تتمثل في أن منتجاتها خضعت لاختبارات قتالية حقيقية وليست مجرد نماذج تجريبية.
وفي المقابل، تستمر روسيا في شن هجمات جوية وصاروخية واسعة على المدن الأوكرانية، ما يدفع كييف إلى تطوير منظوماتها الدفاعية والهجومية بشكل متسارع، ويجعل الحرب الحالية ساحة تنافس تكنولوجي مفتوحة بين الطرفين.
ما الذي تسعى إليه كييف؟
على المدى البعيد، يبدو أن أوكرانيا تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية من هذا المسار:
تحويل الصناعات الدفاعية إلى مصدر دخل اقتصادي مستدام.
بناء شراكات أمنية وعسكرية جديدة خارج الإطار الأوروبي التقليدي.
تعزيز مكانتها الدولية كدولة منتجة للتكنولوجيا العسكرية الحديثة.
وبذلك لم تعد الطائرات المسيّرة بالنسبة لأوكرانيا مجرد أداة حرب ضد روسيا، بل أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تراهن عليها لبناء نفوذ سياسي واقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب، وسط مؤشرات متزايدة على أن أسواق الشرق الأوسط قد تكون الوجهة الأولى لهذا التوسع.






