حرية
أعادت الأسواق المالية العالمية تسعير توقعاتها لمسار السياسة النقدية الأميركية، عقب صدور بيانات التوظيف التي جاءت أضعف من التوقعات، ما عزز احتمالات تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وأظهرت تعاملات العقود الآجلة لأسعار الفائدة تراجعاً في رهانات المستثمرين على رفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة، بعدما اعتُبرت بيانات سوق العمل مؤشراً على تباطؤ تدريجي في النشاط الاقتصادي، ما قد يقلل الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي.
وانعكس ذلك سريعاً على أسواق السندات، إذ ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية مع تراجع عوائدها، حيث انخفض العائد على السندات لأجل عامين إلى 4.11%، فيما تراجع العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى 4.46%، وسط زيادة الإقبال على الأصول الآمنة.
وفي هذا السياق، رجّح أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج واشنطن، الدكتور صلاح حسن، أن يكون تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 28 و29 يوليو السيناريو الأكثر احتمالاً، مؤكداً أن بيانات الوظائف لا تقدم في الوقت الراهن مبررات لرفع الفائدة.
وأشار إلى أن الأسواق خفضت احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع يوليو إلى نحو 20%، مقارنة بنحو 33% قبل صدور التقرير، كما تأجلت توقعات أي رفع محتمل إلى نهاية العام بدلاً من الخريف، ما يعكس تغيراً واضحاً في نظرة المستثمرين لمسار السياسة النقدية.
وأوضح حسن أن رد فعل الأسواق شمل أيضاً ارتفاع أسعار الذهب بأكثر من 100 دولار للأونصة خلال ساعات قليلة، إلى جانب تراجع مؤشر الدولار الأميركي، في ظل توقعات بسياسة نقدية أقل تشدداً.
وأكد أن استمرار تباطؤ التضخم وسوق العمل قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول، مع بقاء القرارات المقبلة مرتبطة بالبيانات الاقتصادية، ولا سيما معدلات التضخم.
ويأتي ذلك في وقت يتبنى فيه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، نهجاً يعتمد على تقييم البيانات الاقتصادية في كل اجتماع، دون تقديم توجيهات مسبقة بشأن المسار المستقبلي للفائدة، مع تأكيده أن معركة خفض التضخم لم تنتهِ بعد رغم تراجع مخاطره.
الأسواق تراهن على نهاية دورة التشديد
تعكس استجابة الأسواق لبيانات التوظيف تحولاً في توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأميركية، إذ باتت الأولوية بالنسبة للفيدرالي الحفاظ على استقرار الاقتصاد، بدلاً من الاستمرار في رفع أسعار الفائدة.
وتبرز أبرز الدلالات:
- تباطؤ سوق العمل: جاءت بيانات الوظائف أقل من التوقعات، ما يشير إلى تراجع تدريجي في زخم التوظيف، وهو أحد المؤشرات الرئيسة التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في قراراته.
- تراجع رهانات التشديد: انخفاض احتمالات رفع الفائدة يعكس قناعة متزايدة بأن البنك المركزي يقترب من إنهاء دورة التشديد النقدي، ما لم تظهر ضغوط تضخمية جديدة.
- انعكاسات مباشرة على الأسواق: استفادت السندات والذهب من تراجع توقعات الفائدة، بينما تعرض الدولار لضغوط، وهو نمط معتاد عندما تتراجع توقعات التشديد النقدي.
- نهج أكثر مرونة: اعتماد رئيس الاحتياطي الفيدرالي سياسة قائمة على البيانات يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية، لكنه في المقابل يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي مؤشرات اقتصادية جديدة.
إذا استمرت مؤشرات التضخم وسوق العمل في التباطؤ خلال الأشهر المقبلة، فمن المرجح أن يتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول، مع تأجيل أي قرارات جديدة إلى حين اتضاح مسار الاقتصاد الأميركي. كما أن هذا التوجه ستكون له انعكاسات واسعة على الأسواق العالمية، بدءاً من أسعار الذهب والعملات، وصولاً إلى أسواق الأسهم والسلع، فضلاً عن الاقتصادات الناشئة التي تتأثر مباشرة بمسار السياسة النقدية الأميركية.







