حرية
يمثل الهجوم الذي استهدف سفينة الشحن «تيهاما» في مضيق باب المندب، وأسفر وفق المصادر الأولية عن مقتل ثلاثة من أفراد طاقمها، تطوراً أمنياً بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية، وإنما لأنه يعيد جبهة البحر الأحمر إلى واجهة المخاطر التي تهدد حركة التجارة العالمية، بالتزامن مع استمرار أزمة الملاحة في مضيق هرمز.
وإذا تأكدت مسؤولية الحوثيين عن الهجوم، فإن ذلك يعني انتقال التوتر البحري إلى مرحلة أكثر خطورة، خصوصاً أن الحادث يأتي بعد إعلان الجماعة ما وصفته بحصار بحري على السعودية، وفي ظل نفي الرياض وجود أي حصار على اليمن.
الأخطر أن الهجوم يأتي في وقت تعاني فيه شركات النقل البحري أصلاً من اضطراب كبير في خطوط الملاحة. فمضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لتدفقات النفط والطاقة، بينما يشكل باب المندب بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب متزامن في الممرين يفرض على شركات الشحن إعادة حساباتها بشأن المسارات والتكاليف والتأمين ومواعيد التسليم.
وتشير البيانات الواردة إلى تراجع متوسط حركة السفن عبر باب المندب إلى نحو 32 سفينة يومياً خلال الأسبوع الماضي، مقابل نحو 50 سفينة قبل فرض القيود، وهو انخفاض يعكس ارتفاع مستوى المخاطر وليس مجرد حادث أمني منفرد.
من هرمز إلى باب المندب.. أزمة ممرات لا أزمة سفن
المؤشر الأهم في التطورات الأخيرة هو أن المخاطر لم تعد محصورة في مضيق واحد. فمع استمرار القيود على الملاحة في هرمز، يأتي التصعيد المحتمل في باب المندب ليضيف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصاد العالمي.
وفي حال استمرت الهجمات، قد تجد شركات الشحن نفسها أمام خيارين صعبين: إما مواصلة استخدام الممرات البحرية عالية الخطورة مقابل ارتفاع تكاليف التأمين والحماية، أو تغيير مساراتها، وهو ما يعني زيادة المسافات والوقود وأجور النقل.
وهذا السيناريو يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار السلع والطاقة، خصوصاً أن ارتفاع تكلفة النقل البحري يأتي في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من حساسية تجاه أسعار النفط والتضخم.
السعودية أمام معادلة أمنية جديدة
يحمل الحادث أيضاً بعداً سياسياً مباشراً بالنسبة إلى السعودية، حتى مع تأكيد المصادر أن السفينة لم تكن مملوكة أو مشغلة من جانب الرياض.
فإدخال السفن المرتبطة بالمملكة أو التي تمر قرب المياه اليمنية في دائرة التهديدات الحوثية يوسع نطاق المواجهة، ويجعل أمن الملاحة جزءاً من الصراع السياسي والعسكري بين الطرفين.
وفي المقابل، فإن عدم إعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن الهجوم حتى الآن يجعل تحديد الجهة المنفذة بحاجة إلى أدلة إضافية، خصوصاً مع إعلان هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن السفينة أصيبت بمقذوف مجهول.
التداعيات المحتملة
إذا ثبتت مسؤولية الحوثيين، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديداً أمنياً على حركة السفن في البحر الأحمر وباب المندب، وربما زيادة الدوريات البحرية وإجراءات الحماية، وهو ما سيرفع كلفة الملاحة.
أما إذا تكررت الهجمات وأصبحت أكثر انتظاماً، فقد نشهد عودة تدريجية إلى سيناريو تغيير مسارات السفن بعيداً عن البحر الأحمر، بما يطيل الرحلات ويزيد تكاليف التجارة بين آسيا وأوروبا.
وبذلك، فإن خطورة حادث «تيهاما» لا تكمن في السفينة وحدها، بل في احتمال تحوله إلى حلقة جديدة في سلسلة اضطرابات تضرب هرمز وباب المندب معاً، وهو السيناريو الأكثر كلفة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
الهجوم، في حال تأكدت مسؤوليته، يرفع مستوى المخاطر من أزمة مرتبطة بمضيق هرمز إلى أزمة أوسع في أمن الممرات البحرية بالشرق الأوسط، ويضع شركات الشحن والأسواق أمام معادلة أكثر تعقيداً: ارتفاع مخاطر النقل، زيادة كلفة التأمين، اضطراب تدفقات الطاقة، واحتمال انتقال أثر الصراع من ساحات المواجهة العسكرية إلى أسعار السلع والتضخم عالمياً.







