حرية
عاد ما يُعرف بـ”النموذج الإيرلندي” إلى واجهة النقاشات السياسية والأمنية المرتبطة بمستقبل لبنان، بالتزامن مع المفاوضات الجارية برعاية أمريكية لاحتواء تداعيات الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في مؤشر على بحث الأطراف الدولية عن مقاربة مختلفة لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، وهو ملف سلاح الحزب.
وبحسب مصادر سياسية لبنانية، فإن النقاشات التي تجري على هامش المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية لم تعد تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، بل امتدت إلى البحث عن آليات طويلة الأمد لمعالجة قضية السلاح خارج إطار المواجهة العسكرية المباشرة.
وتستند الفكرة المطروحة إلى تجربة إيرلندا الشمالية التي نجحت في إنهاء عقود من الصراع المسلح عبر اتفاق “الجمعة العظيمة”، حيث جرى تحويل السلاح من عنصر صراع يومي إلى ملف سياسي يخضع لآليات تفاوض ورقابة دولية تدريجية، بدلاً من فرض نزعه بالقوة.
مقاربة مختلفة
على خلاف الطروحات التقليدية التي تدعو إلى نزع السلاح بشكل فوري، يقوم النموذج الإيرلندي على إدماج القوى المسلحة تدريجياً في العملية السياسية والأمنية للدولة، مقابل ضمانات داخلية وخارجية تضمن مصالح جميع الأطراف.
وتشمل الصيغة المتداولة للبنان عدة مراحل تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل، يتبعه انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق المتنازع عليها، مع توسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، وصولاً إلى نقل ملف سلاح حزب الله إلى طاولة حوار سياسي طويل الأمد تحت إشراف وضمانات دولية.
وترى الجهات الداعمة لهذا الطرح أن الهدف ليس نزع السلاح بصورة عاجلة، بل إخراجه تدريجياً من المعادلة العسكرية وتحويله إلى ملف سياسي قابل للمعالجة ضمن إطار الدولة.
تحفظات إسرائيلية
في المقابل، لا تبدو إسرائيل متحمسة لهذا المسار، إذ تعتبر أن التجربة الإيرلندية احتاجت سنوات طويلة قبل الوصول إلى نتائج نهائية، بينما تسعى تل أبيب إلى الحصول على إجراءات سريعة وملموسة تضمن تقليص القدرات العسكرية للحزب بصورة مباشرة.
وتخشى الأوساط الإسرائيلية من أن تتحول أي مرحلة انتقالية طويلة إلى فرصة تسمح لحزب الله بإعادة تنظيم صفوفه واستعادة قدراته العسكرية، وهو ما يدفعها للمطالبة بخطوات واضحة ومحددة زمنياً قبل الحديث عن ترتيبات أمنية دائمة.
موقف حزب الله
أما حزب الله، فيرفض حتى الآن أي نقاش علني يتعلق بمستقبل سلاحه قبل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل كامل وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
ويعتبر الحزب أن طرح مسألة السلاح في الظروف الحالية يمثل استجابة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، مؤكداً أن الأولوية بالنسبة له تبقى إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية وضمان السيادة اللبنانية.
تكشف عودة الحديث عن “النموذج الإيرلندي” أن القوى الدولية باتت تدرك صعوبة فرض حلول عسكرية أو أمنية مباشرة على ملف سلاح حزب الله، خصوصاً في ظل التوازنات الطائفية والسياسية المعقدة داخل لبنان.
كما تعكس هذه المقاربة تحولاً في التفكير الغربي من منطق “نزع السلاح بالقوة” إلى منطق “احتواء السلاح وتفكيك دوره تدريجياً”، وهو خيار يبدو أكثر واقعية من الناحية السياسية، لكنه يتطلب سنوات من التفاهمات والضمانات المتبادلة.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح أي نموذج مشابه يبقى مرتبطاً بوجود تسوية إقليمية أوسع تشمل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، إذ يصعب فصل مستقبل حزب الله عن شبكة الصراعات الإقليمية التي تشكل أحد أبرز عناصر قوته ونفوذه.
لذلك، يبدو أن “النموذج الإيرلندي” لا يمثل حلاً جاهزاً بقدر ما يعكس محاولة دولية للبحث عن طريق ثالث، يتجنب انفجاراً داخلياً لبنانياً من جهة، ويمنح الأطراف المختلفة مساحة للانتقال التدريجي من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التسويات السياسية.







