حرية
لم تعد أزمة المياه في العراق مجرد انعكاس لقلة الأمطار وتراجع التدفقات المائية، بل تحولت إلى ملف تتداخل فيه التحديات المناخية مع إخفاقات الإدارة والسياسات الزراعية. وبينما تراهن بغداد على اتفاقها المائي مع أنقرة لإنعاش الموارد وتطوير البنى التحتية، تبرز تحذيرات من أن المشكلة قد تكون أعمق من بناء السدود واستحصال حصص مائية إضافية، في ظل استمرار الهدر وارتفاع الاستهلاك، وصولاً إلى توقعات ببلوغه 8 مليارات متر مكعب بحلول عام 2035 مع ارتفاع متوقع لعدد نفوس العراق إلى 55 مليون فرد.
وفي الوقت الذي يسعى فيه العراق إلى تثبيت حقوقه المائية وتعزيز تعاونه مع تركيا وإيران وسوريا عبر اتفاقات ومشاريع تستهدف تطوير البنية التحتية وتحسين إدارة الموارد، يشير خبراء إلى أن الموضوع يتجاوز الاتفاقات.
ويقول الخبير المائي عادل المختار في حديث لـ(حرية)، إنه”في عام 2035 ستكون هناك زيادة بالاستهلاك إلى 8 مليارات متر مكعب، لسببين الأول هو زيادة عدد نفوس العراق والثاني هو استخدام مياه الإسالة المخصصة للشرب في سقي النباتات”.
ويضيف، أن”كل دول العالم لا تستخدم مياه الإسالة في سقي النباتات وحملات التشجير، إلا العراق”، واصفاً ذلك بـ”الكارثة”.
وعن تراجع الإيرادات المائية، يشير إلى نقطة مهمة في هذا الجانب، ويقول، إنه”لا يوجد تراجع، يوجد سوء ادارة لملف المياه، وهناك تصريف لجميع المياه القادمة للعراق وهذا كارثة وكررنا الحديث بشأنها، لذلك طالبنا بإعادة النظر بالسياسة الزراعية والمائية، لكن لا أحد يسمع”.
وقارن المختار بين استهلاك العراق ودول الجوار، مبينا أن”دولة مثل الأردن بمليار واحد تزرع وتأكل وتصدر، وفي السعودية لا توجد مشكلة، إذاً المشكلة في سوء الإدارة ولذلك طالبنا وفي أكثر مرة بإعادة النظر بالسياسة الزراعية والمائية ولكن لازال العراق يزرع وعلى سبيل المثال الخطّة الزراعية الصيفية لهذا العام تتضمن 361 ألف دونم شلب وأكثرها بالري السيحي”.
ويتابع، أن”شح المياه كان في العام الماضي وهو نتيجة سوء ادارة ملف المياه”.
وفي 22 نيسان 2024، وقّع العراق وتركيا اتفاقاً إطارياً للتعاون في مجال المياه، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد. ويهدف الاتفاق إلى تحسين إدارة المياه في حوضي دجلة والفرات، وتطوير البنى التحتية المائية، وتحديث تقنيات الري، وتعزيز الاستخدام الرشيد للموارد، إلى جانب السعي نحو تخصيص عادل ومنصف للمياه المشتركة.
وفي 2 تشرين الثاني 2025، وقّع البلدان آلية لتنفيذ إطار التعاون، تتضمن تحديد مشاريع مائية تنفذها شركات تركية، وتشمل تحسين نوعية المياه، وتطوير أساليب الري، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتعزيز حوكمة إدارة المياه وترشيد استخدامها، كما تنص الآلية على تمويل المشاريع من خلال حساب يرتبط بعائدات بيع كميات من النفط العراقي إلى تركيا، وفق الإجراءات المتفق عليها.
إلا أن المختار يقلل من أهمية إنشاء السدود وفق الاتفاق الإطاري مع تركيا، موضحاً أن”العراق تأتيه إيرادات بـ40 مليار متر مكعب سنوياً ولدينا خزين بـ(31) مليار متر مكعب وموسم شتوي ممطر، فإذا قام بإنشاء 5 سدود بسعة 50 مليون أو 100 مليون متر مكعب، هل ستؤثر”.
ويشدد على، أن”موضوع المياه يتعلق بسوء الإدارة، خاصة أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 85٪ من المياه”.
وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع تحركات بغداد لتعزيز التعاون المائي مع أنقرة، في ظل اعتماد العراق على نهري دجلة والفرات اللذين تنبع مياههما من خارج حدوده، وما يرافق ذلك من تحديات مرتبطة بتدفقات المياه والتغيرات المناخية والطلب المتزايد على الموارد.
لكن الاتفاق، رغم ما يتضمنه من مشاريع تستهدف تطوير البنية التحتية وتحسين إدارة الموارد، يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرته على معالجة جذور الأزمة، ولا سيما أن تنفيذه يرتبط بإنجاز المشاريع وتحديد أولوياتها وتوفير التمويل اللازم لها، فضلاً عن استمرار الحاجة إلى تفاهمات بشأن المياه العابرة للحدود.







