حرية
رفع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني سقف خطابه ضد إسرائيل من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، واصفًا سياسة حكومتها بأنها ذات «شهية توسعية» تحولت إلى «تهديد إقليمي»، ومتهمًا إياها بالسعي إلى فرض واقع يمنع قيام دولة فلسطينية. وفي المقابل، بدا الرد الإسرائيلي محدودًا: وزارة الخارجية هاجمت الموقف الأردني، فيما تجنب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حتى الآن تخصيص رد سياسي مباشر ومفصل لخطاب الملك.
وبحسب تقرير للصحافية ليئور بن آري في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، خصص عبدالله الثاني جزءًا كبيرًا من خطابه في نيويورك للحرب في قطاع غزة، والوضع في الضفة الغربية، والتحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا، واتهم الحكومة الإسرائيلية بارتكاب «جريمة حرب» وباتباع سياسة «توسعية» تهدف، وفق قوله، إلى خلق واقع يجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا. كما انتقد المجتمع الدولي لأنه اختار طوال سنوات «إدارة» الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بدلًا من حله. وقد نشر الديوان الملكي الأردني النص الرسمي للخطاب، بما في ذلك وصف الملك «الشهية التوسعية» للحكومة الإسرائيلية بأنها «تهديد إقليمي».
وردت وزارة الخارجية الإسرائيلية على الديوان الملكي الهاشمي بلهجة ساخرة، وقالت عبر حسابها الرسمي: «من المثير للتسلية خصوصًا أن نسمع الملك عبدالله الثاني يتحدث بهذا الحماس عن القانون الدولي وعن حقوق الفلسطينيين في يهودا والسامرة».
وأعادت الوزارة التذكير بقرار الملك حسين عام 1988 فك الارتباط الإداري والقانوني بين الأردن والضفة الغربية، وادعت أن فلسطينيين فقدوا نتيجة ذلك حقوقًا ومواطنة أردنية، قبل أن تختم ردها بالقول: «حدّثنا أكثر عن القانون الدولي».
أما نتنياهو، فلم يصدر حتى الآن ردًا سياسيًا منفصلًا ومفصلًا على خطاب عبدالله. وقد أشار إلى كلام الملك في مقطع فيديو نشره، لكنه فعل ذلك أساسًا في سياق مهاجمة رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان بسبب اقتراحه إشراك الأردن في إدارة أجزاء من الضفة الغربية.
وقال نتنياهو في بداية الفيديو: «بعد يوم واحد من تشهير الأردن بإسرائيل من على منبر الأمم المتحدة»، قبل أن ينتقل إلى مهاجمة اقتراح ليبرمان، من دون أن يعلن خطوات ضد عمّان أو يخصص ردًا مستقلًا على الاتهامات التي طرحها الملك.
ورغم التصعيد السياسي، يتواصل التعاون بين إسرائيل والأردن في ملفات حيوية، وفي مقدمتها المياه والحدود.
وقال المحلل الأردني لشؤون الشرق الأوسط دحّام متقال الفواز لـ«ynet» إن عمّان لا ترى تناقضًا بين التعاون والخلاف السياسي، موضحًا أن «التعاون القائم بين الأردن وإسرائيل، بما يشمل المياه والحدود وقضايا أخرى، هو جزء من واقع فرضته معاهدة السلام لعام 1994».
وأضاف: «موضوع المياه حُدد بصورة واضحة في اتفاق السلام، وهذا لا يعني أن الخلاف السياسي يجب أن يختفي».
وبرأي الفواز، يعكس موقف الأردن في الأمم المتحدة التزام المملكة بالسلام، لكن مع إصرارها على أن يقوم هذا السلام على حل سياسي «عادل ومستقر»، وفي مقدمته حل الدولتين.
وقال إن التوتر الحالي يرتبط أساسًا بسياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه غزة والضفة الغربية والقدس والمستوطنات، وهي سياسات ترى عمّان أنها تضر بفرص السلام وتزيد عدم الاستقرار.
وأضاف أن الحفاظ على السلام والتعاون مهم بالنسبة إلى الأردن، لكن استمرار السياسات الإسرائيلية الحالية قد يصعّب الحفاظ على هذه الجسور، خصوصًا إذا استمرت، من وجهة النظر الأردنية، في تقويض فرص السلام وزيادة التوتر الإقليمي.
ولفت إلى أن الأردن ينظر إلى القضية أساسًا من زاوية مصالحه الوطنية، إذ ترتبط استقراره وأمنه وحدوده ومصالحه الاستراتيجية باستقرار المنطقة.
وفي خطابه، تطرق عبدالله الثاني إلى جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، وقال: «الرئيس ترامب عمل بنشاط من أجل السلام ومن أجل إيجاد طريق لإنهاء الحرب، لكن الحكومة الإسرائيلية تواصل تحريك خط النهاية».
وزعم الملك أن إسرائيل تواصل الضربات وتدمير البنى التحتية المدنية، ولا تنسحب، وتدفع الفلسطينيين إلى مساحة أصغر داخل القطاع، معتبرًا أنه لم يعد ممكنًا وصف هذه الخطوات بأنها إجراءات عسكرية موقتة.
واتهم إسرائيل بـ«محاولة محو الحياة الفلسطينية وفرض واقع إقليمي جديد في غزة».
كما وجه عبدالله انتقادات حادة إلى السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، معتبرًا أن توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وأحداث العنف ليست وقائع منفصلة، وإنما جزء من سياسة تهدف، وفق قوله، إلى دفع الفلسطينيين خارج أراضيهم.
ووصف ذلك بأنه «تهجير قسري» و«جريمة حرب»، معتبرًا أن ما يجري في غزة والضفة يصب في النهاية، بحسب موقفه، في هدف واحد هو «جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا مستحيلًا».
ولم يكتفِ الملك بانتقاد إسرائيل، بل وجّه سهامه إلى طريقة تعامل المجتمع الدولي معها.
وأشار إلى أن الدول تملك أدوات مثل العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، وقد استخدمتها في حالات أخرى، لكنه قال: «عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تنتهي القرارات حيث تبدأ، على الورق».
واعتبر أن النتيجة هي «دولة بلا رادع».
أما في الملف السوري، فكان خطاب الملك أكثر مباشرة، إذ حذر من النشاط الإسرائيلي في جنوب سوريا وقال إن «الشهية التوسعية للحكومة الإسرائيلية أصبحت الآن تهديدًا إقليميًا».
وأضاف: «سوريا هي التحذير الذي يختار المجتمع الدولي ألا يراه»، مشددًا على أن الأردن لن يتسامح مع أي تهديد لحدوده الشمالية أو لأمنه المائي، ومعتبرًا أن التحركات الإسرائيلية في المنطقة قد تمس مباشرة بالأمن القومي للمملكة.
وحظي الخطاب بتغطية واسعة في الأردن والعالم العربي، إذ اعتبر موقع «أل-رَد» المصري أن الأمر لم يكن مجرد خطاب أردني آخر عن فلسطين وغزة، بل «محاولة لإعادة ترتيب الرواية التي سيطرت على المشهد منذ 7 أكتوبر 2023»، ونقل النقاش مجددًا إلى الاحتلال والقانون الدولي والحقوق الفلسطينية.
وبحسب القراءة التي أوردها الموقع، لم يتجاهل الملك ما جرى في 7 أكتوبر، لكنه سعى إلى عدم السماح بتحويله إلى «شيك مفتوح» لتبرير كل ما وقع بعده.
وأضافت القراءة أن منطق عبدالله يقوم على أن إدانة ما حدث للإسرائيليين في 7 أكتوبر لا تعني التخلي عن حقوق الفلسطينيين أو القبول بأن تصبح الحرب في غزة واقعًا دائمًا لا نهاية له.
وفي الأردن نفسه، عكست التغطية الإعلامية تغيرًا في حدة النبرة. فقد وصفت صحيفة «أل-رَد» الأردنية ووسائل إعلام محلية أخرى كلام عبدالله بأنه مباشر وحاد بصورة استثنائية، واعتبرت الصحيفة أنه من بين أقوى الخطابات التي عرض فيها الملك مواقف المملكة تجاه الصراع والسياسات الإسرائيلية.
لكن الخطاب الأردني الحاد تجاه إسرائيل ليس جديدًا، إذ يصعّد مسؤولون أردنيون انتقاداتهم منذ بداية الحرب في غزة، وفي مقدمتهم وزير الخارجية أيمن الصفدي، فيما أدلت الملكة رانيا أيضًا خلال هذه الفترة بمواقف شديدة اللهجة في مقابلات وفعاليات مختلفة.
واستمر التصعيد الخميس، إذ كتب الصفدي عبر منصة «X» أن «سياسات الحكومة الإسرائيلية وأفعالها غير القانونية، التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها، انكشفت أمام العالم».
وأضاف أن أصواتًا ترتفع في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد «قتل الأطفال، وتدمير المدارس، وتجويع المدنيين، وانتهاك حق 5 ملايين فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال في الحرية»، معتبرًا أن عدد الأصوات الرافضة لسياسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية يتزايد.
وهاجم الصفدي أيضًا الجهود الإعلامية الإسرائيلية، متهمًا «آلة الدعاية الإسرائيلية وأبواقها» بإدارة حملات تهدف، وفق قوله، إلى «تشويه التاريخ» واستهداف الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والقادة الذين ينتقدون إسرائيل.
وأكد أن الأردن سيعمل على «كبح توسع وعدوانية الحكومة الإسرائيلية»، معتبرًا أن «الحكومة الإسرائيلية تحتجز مستقبل المنطقة بأكملها رهينة».
وبين خطاب أردني أكثر حدة من منبر الأمم المتحدة ورد إسرائيلي بقي حتى الآن مضبوطًا نسبيًا، تظهر معادلة مزدوجة بين عمّان وتل أبيب: خلاف سياسي يتصاعد في العلن، مقابل قنوات تعاون فرضتها معاهدة السلام والمصالح المشتركة، فيما تحاول القراءة العربية للخطاب نقل مركز النقاش من أحداث 7 أكتوبر وحدها إلى ما أعقبها من حرب وسياسات ووقائع إقليمية.






