حرية
في نوفمبر 2017، أعلن إيمانويل ماكرون من واغادوغو أن “لا سياسة فرنسية تجاه أفريقيا بعد اليوم”، في محاولة لكسر إرث تاريخي ثقيل. لكن بعد نحو تسع سنوات، يعود الخطاب ذاته بصيغة مختلفة، متحدثاً عن “شراكة متوازنة”، في وقت تكشف الوقائع أن التحول لم يكن بقدر الطموح المعلن.
خلال هذه الفترة، تراجعت فرنسا ميدانياً بشكل واضح، إذ اضطرت للانسحاب من مالي وبوركينا فاسو والنيجر عقب الانقلابات العسكرية، كما أنهت تشاد اتفاقها الدفاعي مع باريس، بينما مضت السنغال نحو استعادة سيادتها الأمنية عبر اتفاق منظم لسحب القوات الفرنسية. هذه التحركات عكست تآكل النفوذ التقليدي، حتى وإن جرت بطريقة “منضبطة” دبلوماسياً.
في المقابل، تحاول باريس إعادة رسم أدوات حضورها بعيداً عن القواعد العسكرية، عبر الاقتصاد والبنية التحتية. شركات مثل CMA CGM تدير موانئ استراتيجية في نيجيريا، بينما توسّع Orange نشاطها في الاتصالات، مع اعتماد واضح على السوق الأفريقية كمحرك للنمو. هذا التحول يعكس انتقالاً من “النفوذ الأمني” إلى “النفوذ اللوجستي والتجاري”.
لكن الأرقام تكشف تحدياً أكبر: فقد تراجعت فرنسا إلى المرتبة الثامنة كمورّد لأفريقيا جنوب الصحراء، مقابل صعود الصين التي تهيمن بحصة تفوق خمسة أضعاف. ورغم استمرار الاستثمارات الفرنسية بمليارات اليوروهات، فإن الفجوة في التأثير الاقتصادي باتت واضحة.
التحدي لا يقف عند المنافسة الدولية، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة نفسها. أزمة شركة Orano في النيجر، بعد تأميم مناجم اليورانيوم، أظهرت أن خطاب “الشراكة” يصطدم أحياناً بحساسيات السيادة والموارد، ما يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل تغيّرت العلاقة فعلاً أم تغيّرت أدواتها فقط؟
في هذا السياق، تبرز رهانات المستقبل، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والسيادة الرقمية، حيث تُطرح مشاريع مثل مراكز الحوسبة الضخمة في أفريقيا كجسر مصالح مشترك. غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرهوناً بعامل أساسي: الاستمرارية.
ومع اقتراب ما بعد 2027، يزداد القلق داخل الأوساط الأفريقية من أن تكون هذه الاستراتيجية مرتبطة بشخص ماكرون أكثر من كونها سياسة مؤسساتية مستقرة. وبين خطاب “الشراكة” وواقع التنافس الدولي، تبدو فرنسا اليوم في سباق لإثبات أنها لم تغادر أفريقيا… بل غيّرت فقط طريقة البقاء.







