حرية
بينما يراقب العالم بقلق تفشي سلالة نادرة من فيروس “هانتا” على متن سفينة رحلات هولندية قبالة الساحل الغربي لأفريقيا، عادت المخاوف من سيناريو جائحة عالمية جديدة إلى الواجهة، وسط تساؤلات متزايدة على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان الفيروس قد يتحول إلى “كوفيد جديد” يعيد العالم إلى الإغلاق والقيود الصحية.
ورغم تصاعد القلق، يؤكد خبراء الصحة والأوبئة أن احتمالات تحوّل فيروس “هانتا” إلى جائحة عالمية ما تزال ضعيفة للغاية، بسبب محدودية انتقاله بين البشر مقارنة بفيروسات مثل كورونا والإنفلونزا.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن التفشي الحالي وقع على متن سفينة سياحية كانت تقل نحو 200 راكب وعضو طاقم، حيث سُجلت ثلاث وفيات مرتبطة بالفيروس، بينها زوجان، إضافة إلى ثلاث إصابات مؤكدة منذ منتصف مارس الماضي.
وتتجه السفينة حالياً نحو جزر الكناري لإجلاء الركاب الذين لا تظهر عليهم أعراض، بينما باشرت السلطات الصحية في الولايات المتحدة تتبع أشخاص يُعتقد أنهم خالطوا المصابين في ولايات عدة بينها جورجيا وكاليفورنيا وأريزونا وتكساس وفرجينيا.
ويُعرف فيروس “هانتا” بأنه مرض نادر ينتقل عادة عبر القوارض، وتحديداً من خلال استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو فضلات الفئران الحاملة للفيروس، فيما تبلغ نسبة الوفيات الناتجة عنه نحو 40 بالمئة من المصابين.
لكن خبراء الأمراض المعدية يؤكدون أن الفيروس يختلف جذرياً عن “كوفيد-19”، إذ إن انتقاله بين البشر محدود جداً ويقتصر غالباً على المخالطين المباشرين للمصابين، بخلاف فيروس كورونا الذي يمتاز بسرعة الانتشار عبر الهواء وقبل ظهور الأعراض.
وقال فينسنت راكانييلو، أستاذ علم الأحياء الدقيقة والمناعة في جامعة كولومبيا، إن “سر تحول الفيروسات إلى أوبئة عالمية يكمن في قدرتها على الانتقال قبل ظهور الأعراض أو عبر حالات غير ظاهرة”، موضحاً أن فيروس “هانتا” لا يمتلك هذه الخصائص بالدرجة التي تسمح له بالانتشار الواسع.
أما السلالة الحالية المعروفة باسم “فيروس الأنديز”، فهي واحدة من السلالات النادرة التي يمكن أن تنتقل بين البشر، إلا أن الدراسات تشير إلى أن انتقالها يبقى محدوداً للغاية، وغالباً ضمن الدائرة الضيقة للمخالطين.
وفي هذا السياق، شددت منظمة الصحة العالمية على أن الفيروس “ليس كوفيد التالي”، رغم خطورته، مؤكدة أن معظم البشر لن يتعرضوا له أصلاً.
كما أوضحت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن مستوى الخطر الحالي “منخفض للغاية”، رغم استمرار مراقبة الوضع الصحي على متن السفينة.
ويعيد هذا التفشي النقاش العالمي حول احتمالات ظهور أوبئة جديدة في المستقبل، خصوصاً بعد التحذيرات المتكررة من العلماء بشأن تأثير التغير المناخي والتوسع العمراني والاحتكاك المتزايد بين البشر والحياة البرية في رفع احتمالات ظهور أمراض معدية جديدة.
وكان باحثون في جامعة ديوك الأميركية قد حذروا سابقاً من أن احتمالات حدوث أوبئة عالمية قد تتضاعف خلال العقود المقبلة، فيما أكد خبراء من جامعة هارفارد أن العالم سيواجه حتماً جائحة جديدة مستقبلاً، لكن لا يمكن تحديد توقيتها أو طبيعتها حتى الآن.
ويرى متخصصون أن القلق الشعبي المتزايد من أي فيروس جديد بات مرتبطاً بالتجربة القاسية التي عاشها العالم خلال جائحة كورونا، والتي غيرت شكل الأنظمة الصحية والاقتصادات والحياة اليومية على مستوى العالم.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن فيروس “هانتا”، رغم خطورته وارتفاع معدل الوفيات فيه، لا يمتلك حتى اللحظة الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على إشعال جائحة عالمية شبيهة بكورونا، ما يجعل المخاوف الحالية أقرب إلى حالة ترقب صحية منها إلى إنذار بانتشار وبائي واسع.






