حرية
تدخل المفاوضات الأميركية الإيرانية مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً مع اقتراب الطرفين من صيغة اتفاق محتملة لإنهاء الحرب، في وقت تربط فيه واشنطن انسحاب قواتها من المنطقة بإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حرية الملاحة البحرية، بينما تتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، ما يهدد بإبقاء المنطقة في دائرة التوتر رغم الحديث المتزايد عن تسويات سياسية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد أن القوات الأميركية ستغادر المنطقة فور إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الملاحة إلى طبيعتها، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن إدارته أصبحت قريبة من التوصل إلى اتفاق وصفه بـ”الجيد جداً” مع إيران. إلا أن ترامب أرفق هذا التفاؤل بتحذير واضح مفاده أن الخيار العسكري سيبقى مطروحاً إذا لم تستجب طهران للشروط الأميركية الجديدة أو إذا لم يكن الاتفاق منصفاً للمصالح الأميركية.
تشديد الشروط قبل الاتفاق
المعطيات المتداولة تشير إلى أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الاتفاق بوصفه مجرد وقف للحرب، بل تسعى إلى صياغة ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز والملف النووي الإيراني ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تحاول استثمار ما تعتبره مكاسب ميدانية وسياسية تحققت خلال الأشهر الماضية لفرض شروط إضافية على طهران قبل توقيع أي تفاهم نهائي، وهو ما يفسر استمرار جولات التفاوض وعدم الوصول إلى إعلان رسمي حتى الآن.
كما تكشف التصريحات الأميركية الأخيرة أن ملف مضيق هرمز أصبح أحد أهم محاور التفاوض، نظراً لما يمثله المضيق من أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي وحركة الطاقة الدولية.
إيران بين التفاوض والردع
في المقابل، تحاول إيران الحفاظ على أوراق الضغط التي تمتلكها خلال المفاوضات، خصوصاً ما يتعلق بالمضيق والملف النووي والعقوبات الاقتصادية.
وإعلان وسائل إعلام إيرانية إسقاط طائرة مسيرة أميركية يندرج ضمن سياسة إظهار الجاهزية العسكرية وعدم تقديم صورة توحي بالتراجع أو الضعف خلال مرحلة التفاوض.
كما أن طهران تدرك أن موقعها التفاوضي يرتبط إلى حد كبير بقدرتها على التأثير في أمن الملاحة البحرية واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وهي أوراق ما تزال تمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
هرمز.. العقدة الرئيسية
المضيق لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى محور الصراع السياسي والاقتصادي بين واشنطن وطهران.
فالولايات المتحدة تريد إعادة فتحه دون قيود أو ترتيبات تمنح إيران نفوذاً إضافياً على حركة التجارة العالمية، بينما تسعى طهران إلى ترجمة موقعها الجغرافي ودورها الأمني إلى مكاسب سياسية واقتصادية طويلة الأمد.
ومن هنا تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى مفاوضات حول شكل النظام الأمني في الخليج بعد الحرب، وليس فقط حول وقف إطلاق النار أو إنهاء المواجهة العسكرية.
لبنان يهدد مسار التهدئة
في الوقت الذي تتقدم فيه المفاوضات الأميركية الإيرانية، تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً ميدانياً متسارعاً بعد إعلان الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته البرية في جنوب لبنان وسيطرته على مواقع استراتيجية جديدة.
هذا التصعيد يعكس أن التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران لا يعني بالضرورة انتهاء جميع بؤر التوتر في المنطقة، خصوصاً أن الجبهة اللبنانية تمتلك ديناميكياتها الخاصة المرتبطة بالمواجهة بين إسرائيل وحزب الله.
كما أن استمرار العمليات العسكرية المتبادلة قد يعرقل أي جهود إقليمية لفرض تهدئة شاملة إذا ما تطورت المواجهات إلى مستويات أوسع.
مرحلة حاسمة
المشهد الحالي يشير إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حقيقي. فنجاح المفاوضات قد يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وانسحاب تدريجي للقوات الأميركية، وبدء مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية.
أما فشل التفاهمات، فقد يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية، خاصة مع تأكيد واشنطن احتفاظها بخيار القوة، واستمرار التوتر في لبنان، وبقاء العديد من الملفات الخلافية بين إيران والولايات المتحدة دون حسم نهائي.
ولهذا تبدو الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية واسعة، أم نحو جولة جديدة من التصعيد وعدم الاستقرار.







