جوزيف ألدي
موتوي كونو-لويس
داستن تينغلي
دخل التحول في مجال الطاقة النظيفة مرحلة جديدة، فقد تبين أن التعهدات الطموحة بالوصول إلى صافي انبعاثات صفري، التي قطعت خلال العقد الماضي، لم تحقق أهدافها إلا بدرجة محدودة. إلا أن صعود الذكاء الاصطناعي، وما صاحبه من انتشار واسع لمراكز البيانات اللازمة لتشغيله، قد خلق طلباً لا يشبع على الطاقة. ونتيجة لذلك، تتجه أعداد متزايدة من الدول والشركات نحو زيادة إمداداتها من الطاقة والتحول إلى مصادر بديلة أكثر موثوقية.
وتتصدر بكين حالياً السباق لتوفير هذه الطاقة، فالألواح الشمسية الصينية الصنع ومنخفضة الكلفة، تشكل العمود الفقري للبنية التحتية للطاقة المتجددة في مختلف القارات. وتعد التوربينات المصنعة في الصين عنصراً أساسياً في مشاريع طاقة الرياح في كل مكان، فيما تهيمن الشركات الصينية على السوق العالمية للبطاريات. وعلى النقيض من ذلك، ضاعفت واشنطن جهودها الرامية إلى إنتاج الوقود الأحفوري مرتفع الكلفة واستخدامه، على رغم أن معظم دول العالم تتجه نحو التخلي عنه.
نتيجة لهذه التوجهات، قد تهيمن بكين قريباً على نظام الطاقة العالمي. ومع ذلك، لا تزال أمام واشنطن فرصة للفوز في هذه المنافسة. فالصين قد تتصدر مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وصناعة البطاريات، لكن الولايات المتحدة تتفوق في تقنيتين أساسيتين أخريين هما الطاقة الحرارية الأرضية المعززة والطاقة النووية من الجيل الجديد. وقد تكون هاتان التقنيتان أكثر قيمة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لأنهما تستمدان الطاقة من مصادر نظيفة لا تعتمد على تقلبات الأحوال الجوية. غير أن واشنطن ستضطر إلى التنسيق مع شركات التكنولوجيا الكبرى وشركائها الأجانب المتعددين إذا أرادت تصدير قدراتها في مجالي الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية إلى العالم أجمع، أو حتى توفير الطاقة اللازمة لقطاع الذكاء الاصطناعي لديها. وإلا، فستواصل بكين توسيع الفجوة وتعزيز تقدمها.
التحول نحو الكهرباء
يشهد الطلب العالمي على الطاقة تزايداً متسارعاً، فالدول النامية تواصل توسيع الاعتماد على الكهرباء في عدد متزايد من بلداتها ومدنها، والمركبات الكهربائية تدخل أسواقاً جديدة، في حين تتزايد مراكز البيانات. ومن المتوقع أن ترتفع احتياجات العالم من الكهرباء بنسبة ثلاثة أرباع خلال السنوات الـ25 المقبلة، وقد غيرت هذه الصدمة في الطلب الدافع وراء التحول في مجال الطاقة. ففي كثير من البلدان لم تعد الطاقة النظيفة مجرد ضرورة تمليها اعتبارات مناخية، بل أصبحت مفتاح النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي العالمي.
ونتيجة لذلك، أصبح توليد الطاقة قضية جيوسياسية بالغة الأهمية، تسعى بكين إلى توظيفها بما يخدم مصالحها. فعلى مدى أكثر من عقدين، قدمت الصين دعماً سخياً لقطاعاتها المزدهرة في مجال التكنولوجيا النظيفة، من خلال إعفاء المدخلات الأساسية للطاقة النظيفة من ضرائب الاستيراد، واشتراط توفير جزء من هذه المدخلات محلياً، وتوفير التمويل للمصنعين المحليين والمؤسسات البحثية لأغراض البحث والتطوير والتسويق. وقد ساعدت هذه السياسات الصين في أن تصبح المورد المهيمن عالمياً للطاقة النظيفة المتقطعة، أي الطاقة المستمدة من مصادر غير ثابتة وغير قابلة للتنبؤ، مثل الرياح والطاقة الشمسية. ففي عام 2024، على سبيل المثال، صدرت الشركات الصينية ألواحاً شمسية بقيمة 28 مليار دولار. كما أنشأت إحدى أكبر شركات الطاقة الشمسية الصينية، “جينكو سولار” (JinkoSolar)، أكثر من 20 شركة تابعة في الخارج، وهو ما يظهر تنامي النفوذ الصيني في مجال البنية التحتية للطاقة النظيفة في مختلف أنحاء العالم النامي. وقد أرست هذه السياسات الأساس لنجاح الصين في سلاسل التوريد اللازمة للطاقة النظيفة، بما في ذلك استخراج المعادن الحيوية وتكريرها. وهذا بدوره منح بكين نفوذاً دولياً كبيراً. في الواقع، أجبر المسؤولون الصينيون إدارة ترمب على رفع الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على المنتجات الصينية، بعدما هددوا بقطع إمدادات المعادن الحيوية عن الولايات المتحدة.
ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك صادراتها الخاصة من الطاقة، والمتمثلة في النفط والغاز. وقد شكلت هذه الصادرات ركيزة التنمية الصناعية العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومنحت واشنطن تاريخياً نفوذاً لا مثيل له في أسواق الطاقة العالمية، إلا أن هذا النفوذ يتراجع مع مواجهة قطاع الوقود الأحفوري قيوداً هيكلية. فمعظم ما تبقى من الثروات الهيدروكربونية العالمية يقع ضمن احتياطات تسيطر عليها الدول، ولا تستطيع الشركات الأميركية الوصول إليها. كما تتجه الدول والشركات إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، أصبحت أقل كلفة من الوقود الأحفوري، وغالباً ما تكون أقل عرضة للتأثر بالحصارات، مثل الحصار الذي يخنق حركة المرور في مضيق هرمز حالياً. فعلى سبيل المثال، جعلت كل من الفيليبين والسعودية الطاقة النظيفة محوراً أساسياً في استراتيجياتهما التنموية. كما التزمت شركات التكنولوجيا الكبرى بتوفير طاقة نظيفة لمراكز بياناتها، إذ تعهدت “غوغل” بتشغيل مراكز بياناتها اعتماداً على طاقة نظيفة بنسبة 100 في المئة بحلول عام 2030، فيما توازن “ميتا” استهلاك مراكز بياناتها للكهرباء من خلال الاعتماد على كمية مماثلة من الطاقة المتجددة.
ولذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية جديدة، للتعامل مع ريادة الصين في مجال الطاقة النظيفة. ولديها خيارات عدة، أولها التنافس المباشر مع الصين، وهو ما حاولت إدارة بايدن فعله من خلال دعم إنتاج الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية في إطار “قانون خفض التضخم” لعام 2022. غير أن هذا الخيار لن ينجح، لأن الأسعار المنخفضة التي تبيع بها الصين البنية التحتية الخاصة بالطاقة المتقطعة يستحيل منافستها من دون تقديم الحكومة الأميركية دعماً استثنائياً. وبدلاً من ذلك، يمكن لواشنطن أن تضاعف التزامها بالوقود الأحفوري من خلال تخفيف القيود التنظيمية وجعل صادرات الهيدروكربونات أقل كلفة وأكثر جاذبية في الأسواق الدولية. وهذا، في الواقع، هو النهج الذي تتبعه إدارة ترمب. فقد ركزت على توسيع إنتاج الفحم والغاز الطبيعي والنفط من خلال إتاحة الوصول إلى الأراضي الفيدرالية لعمليات تعدين جديدة، وإبرام اتفاقات لتصدير الغاز الطبيعي المسال مع شركاء في آسيا وأوروبا. وسيظل الوقود الأحفوري جزءاً أساسياً من مزيج الطاقة العالمي في المستقبل، لكن من غير المرجح أن تنجح استراتيجية إدارة ترمب إذا اعتمدت على هذا المسار وحده. فالحقيقة البسيطة هي أن أنظمة الكهرباء المستقبلية ستعتمد بدرجة أقل على الهيدروكربونات، وبدرجة أكبر على الطاقة المتجددة والطاقة النووية. وبغض النظر عن رأي بعض المسؤولين في واشنطن في شأن تغير المناخ، فإن الطاقة النظيفة هي ما تريده الحكومات والشركات الأخرى.
الطاقة بوابة القوة
أمام الولايات المتحدة خيار أكثر إشراقاً، يتمثل في الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة المستقرة، وتحديداً الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية. فهذان المصدران، شأنهما شأن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يعدان عملياً غير محدودي الإمكانات، لكنهما، بخلاف الطاقة الشمسة وطاقة الرياح، لا يعتمدان على الطقس أو غيره من العوامل المتغيرة، ولذلك يمكن تشغيلهما على مدار الساعة.
لنأخذ أولاً الطاقة الحرارية الأرضية، التي تستمد من الحرارة المنبعثة من أعماق باطن الأرض. فمثل هذا المصدر المستقر للطاقة من شأنه أن يجعل شبكات الطاقة في أية دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، أكثر موثوقية وقدرة على الصمود في مواجهة الارتفاعات المفاجئة في الطلب على الكهرباء. وقد جعلت الابتكارات الحديثة إنشاء محطات الطاقة الحرارية الأرضية أكثر سهولة من أي وقت مضى. ففي السابق، كان نشر هذا النوع من الطاقة يعتمد على تكوينات جيولوجية طبيعية تقع على أعماق ضحلة، ما كان يحصر معظم المواقع المناسبة في المناطق القريبة من “حزام النار”، وهو عبارة عن سلسلة من البراكين تمتد على مسافة 25 ألف ميل حول المحيط الهادئ. لكن خلال العقد الماضي، أتاحت الابتكارات الجديدة الوصول إلى درجات الحرارة المطلوبة أو إنشاء خزانات حرارية أرضية على مقربة من سطح الأرض، مما جعل الطاقة الحرارية الأرضية متاحة في معظم أنحاء العالم. ولا تزال عمليات الحفر مكلفة، إلا أن تكاليفها انخفضت إلى ما يقارب النصف منذ أوائل عشرينيات القرن الـ21. وفي الولايات المتحدة، استمرت هذه التكاليف في الانخفاض بفضل مشروع “يوتا فورج” (FORGE) التابع لوزارة الطاقة، وهو مختبر ميداني في ولاية يوتا مخصص لتطوير واختبار وتحسين تقنيات الطاقة الحرارية الأرضية الجديدة.
تتمتع الصين بموقع مميز يؤهلها لأن تصبح القوة العالمية العظمى الجديدة في الطاقة
وتعد الولايات المتحدة بالفعل رائدة عالمياً في مجال الطاقة الحرارية الأرضية، وهناك أسباب وجيهة تدعو إلى الاعتقاد بأنها قادرة على تعزيز مكانتها خلال الأشهر والسنوات المقبلة. فقد أسفرت عقود من الابتكار الأميركي في قطاع النفط والغاز إلى تكوين قاعدة من رأس المال المادي وسلاسل التوريد والقدرات التقنية التي يمكن نقلها بسهولة إلى إنتاج الطاقة الحرارية الأرضية، إذ يمكن إعادة توظيف منصات النفط والآبار ومعدات الحفر والتكسير الهيدروليكي لإنتاج الطاقة الحرارية الأرضية، مما يقلل من أعباء تكاليف عمليات الحفر. كما يمتلك العاملون الأميركيون في قطاع النفط والغاز بالفعل المهارات اللازمة في الحفر تحت سطح الأرض وتطوير الآبار.
أما في مجال الطاقة النووية، فلا تتمتع واشنطن بالهيمنة نفسها. في الواقع، لا تزال الولايات المتحدة تتصدر العالم في تشغيل المفاعلات النووية الكبيرة والمتطورة، إلا أن الصين تقلص الفجوة بسرعة. فالولايات المتحدة تمتلك 94 محطة نووية عاملة، ولا توجد لديها محطات جديدة قيد الإنشاء. في المقابل، تشغل الصين 60 مفاعلاً حالياً، ولديها 37 مفاعلاً قيد الإنشاء. كما توسع روسيا أيضاً محطاتها النووية، إذ تشغل 34 مفاعلاً كبيراً، ولديها خمسة مفاعلات قيد الإنشاء. وتنظر كل من بكين وموسكو إلى الطاقة النووية باعتبارها فرصة جيوسياسية، لذا تقدمان الدعم المالي لنشرها من خلال قروض منخفضة الفائدة، وائتمانات حكومية، وإعانات مالية. وفي غضون 10 سنوات، تمكنت الصين من خفض تكاليف بناء المحطات النووية التقليدية إلى النصف.
لكن الولايات المتحدة لا تزال في وضع جيد، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى استثماراتها في المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs). فقد تغير هذه المفاعلات المعادلة الاقتصادية لنشر الطاقة النووية، ففي حين قد يستغرق بناء مفاعل نووي تقليدي في الولايات المتحدة أكثر من عقد من الزمن، وتزيد كلفته على 10 مليارات دولار، تتميز المفاعلات الصغيرة بتصاميم موحدة تجعل بناءها أسرع وأقل كلفة. وتولد هذه المفاعلات ما يصل إلى 350 ميغاواط من الطاقة لكل وحدة، أي ما يعادل ثلث قدرة المفاعل النووي التقليدي تقريباً، لكن حجمها الأصغر وانخفاض كلفتها الأولية يجعلانها أكثر جاذبية بالنسبة إلى العملاء المترددين في الاستثمار الكامل في مشاريع الطاقة النووية الضخمة. وتستحوذ الشركات الأميركية حالياً على ما يقارب ثلث تصاميم المفاعلات المعيارية الصغيرة المتاحة للعامة، أي أكثر مما تستأثر به الصين وروسيا مجتمعتين. وقد أفرزت منظومة رأس المال الاستثماري الأميركية مجموعة من الشركات الناشئة الممولة تمويلاً جيداً والمتخصصة في تطوير المفاعلات المعيارية الصغيرة المتقدمة، ومن بينها “كايروس باور” (Kairos Power) و”تيرا باور” (TerraPower) و”إكس-إنرجي” (X-energy).
تفاعل متسلسل
تتمتع واشنطن بموقع يؤهلها لتزويد العالم بالطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية، لكنها لن تتمكن من الفوز بسباق الريادة في هاتين التقنيتين بمفردها. فمستقبل أمن الطاقة الأميركي يتطلب استراتيجية دولية منسقة تدعم الابتكار، وتبسط سلاسل التوريد، وتعزز الطلب على الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية في جميع أنحاء العالم.
وليس ذلك بالمهمة السهلة، فسلاسل توريد القطاع النووي، على سبيل المثال، شديدة الهشاشة أمام نقاط الاختناق [المواضع التي يؤدي تعطلها أو احتكارها إلى تعطيل سلسلة التوريد بأكملها] في سلاسل التوريد. فالولايات المتحدة تستورد حالياً 99 في المئة من احتياجاتها من اليورانيوم، ولا يوجد سوى ست دول مسؤولة عن تخصيب الغالبية العظمى من يورانيوم العالم، ويجري ما يقرب من نصف عمليات التخصيب هذه في روسيا. إضافة إلى ذلك، تتولى مجموعة صغيرة من الشركات في الصين واليابان وروسيا تصنيع الأجزاء المستخدمة في بناء المفاعلات النووية، وتواجه هذه التقنيات أيضاً مشكلات تتعلق بالطلب. فعلى رغم من أن المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية أقل كلفة بكثير من المفاعلات الكبيرة، يتعين على شركات التصنيع أن تثبت للمستثمرين قدرتها على خفض كلفة الوحدة الواحدة بدرجة أكبر لتعويض إنتاجها المنخفض نسبياً من الطاقة. وتواجه أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية الحديثة تحدياً مماثلاً: إذ إن ارتفاع تكاليف الحفر الأولية، وعدم اليقين في شأن نجاح مشروع الحفر في الوصول إلى خزان حراري جوفي، وفترات التنفيذ التي تتراوح بين سبع و10 سنوات، كلها عوامل تثني القطاع الخاص عن الاستثمار.
من المتوقع أن ترتفع احتياجات العالم من الكهرباء بنسبة ثلاثة أرباع خلال السنوات الـ25 المقبلة
مع ذلك، ثمة طرق لمعالجة هذه المشكلات. ينبغي لواشنطن أن تحصل من حكومات الدول الحليفة على التزامات شراء طويلة الأجل للمفاعلات النووية المعيارية الصغيرة، فمن شأن ذلك دعم الاستثمار في القدرات الإنتاجية الجديدة وتقليص اعتماد الولايات المتحدة على اليورانيوم المخصب من روسيا. ويمكن أن تشمل هذه الالتزامات نظام تسعير متدرج، يدفع بموجبه العميل أسعاراً أعلى للمفاعلات المعيارية الصغيرة الأولية، تليها أسعار أقل للمفاعلات التي يشتريها لاحقاً. ومن شأن هذا النظام المتدرج أن يحد من الأخطار التي يتحملها العملاء، ويوفر للمصنعين قدراً أكبر من اليقين في شأن حجم سوق المفاعلات المعيارية الصغيرة وقيمته. كما يمكن لهذه الجهود أيضاً أن تشمل شركات كبرى، مثل “أمازون” و”غوغل” و”ميتا”، التي بدأت جميعها في إبرام اتفاقات طويلة الأجل مع مصنعي المفاعلات المعيارية الصغيرة. وينبغي أيضاً للولايات المتحدة وشركائها الاستثمار بصورة مشتركة في حماية أنظمة الإنتاج الخاصة بهم، وتوفر شراكة “سابورو 5” (Sapporo 5)، التي وافقت فيها كندا وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على إنفاق 4 مليارات دولار لتأمين مصادر اليورانيوم وتخصيبه، بهدف الحد من النفوذ الروسي على سلاسل توريد الوقود النووي، نقطة انطلاق مناسبة لتعزيز هذا المسار.
كما يتعين على الولايات المتحدة إنشاء اتحاد للمشترين يضم مستهلكي الكهرباء، مثل شركات المرافق وشركات التكنولوجيا، إلى جانب الدول الراغبة في تطوير مصادر جديدة للطاقة. فمن شأن ذلك أن يشير إلى وجود طلب قوي على التقنيات النووية والحرارية الأرضية، وهو ما سيساعد بدوره مشغلي هذه التقنيات في تطوير عمليات إنتاج مثالية من خلال عمليات التصدير المتكررة. وستكون النتيجة انخفاضاً في التكاليف وزيادة في النفوذ الأميركي في الخارج. ولجعل هذا الاتحاد أكثر جاذبية، يمكن للولايات المتحدة أيضاً دعم تصدير التقنيات الجديدة من خلال التعاون مع مؤسسات متعددة الأطراف مثل البنك الدولي، الذي التزم بتطوير كل من المفاعلات النووية الصغيرة والطاقة الحرارية الأرضية، وعن طريق “مؤسسة تمويل التنمية الأميركية”.
وستحتاج واشنطن أيضاً إلى تعاون دولي لضمان وصول تقنيات الطاقة النووية والطاقة الحرارية الأرضية إلى الأسواق الخارجية، فغالباً ما يتطلب نشر مشاريع الطاقة الحرارية الأرضية على المستوى الدولي موافقات من جهات متعددة، بما في ذلك الحكومات المركزية وهيئات تنظيم البيئة والمياه التابعة لها. وقد ينجم عن ذلك قواعد متباينة وأولويات متضاربة تفضي إلى إجراءات ترخيص طويلة ومعقدة وغير مؤكدة النتيجة. ويجب أن تستوفي مبيعات المفاعلات النووية الأميركية متطلبات الترخيص في الدولة المستوردة، إضافة إلى الامتثال للوائح الأميركية المتعلقة بعدم الانتشار النووي وضوابط تصدير التكنولوجيا. وإذا لم تكن الولايات المتحدة قد أبرمت اتفاقاً نووياً ثنائياً مع الدولة المستوردة المحتملة، فإنها تحتاج أولاً إلى التفاوض على مثل هذا الاتفاق قبل أن تتمكن من بيع التكنولوجيا النووية لها. وتعرف هذه الاتفاقات بـ”اتفاقات 123″، وهي تسهل التعاون النووي، لكنها تتضمن ضمانات صارمة ويستغرق التفاوض في شأنها في المتوسط 400 يوم. ولا تزال مسارات الترخيص الدقيقة الخاصة بالمفاعلات النووية الصغيرة قيد التطوير، فيما تظل اللوائح التنظيمية مختلفة من دولة إلى أخرى.
الطاقة النظيفة هي ما تريده الحكومات والشركات
لكن واشنطن تمتلك مؤسسات يمكنها المساعدة في تبسيط هذه العملية، فعلى سبيل المثال ينبغي على “هيئة التنظيم النووي” في الولايات المتحدة (NRC) ووزارة الطاقة الأميركية أن تعقدا اجتماعات مع منظمات وضع المعايير العالمية القائمة بهدف إعداد إطار تنظيمي مبسط يمكن للحكومات اعتماده أو الاستناد إليه عند التعامل مع مصدري الطاقة النووية الأميركيين. ويمكن لوزارة الخارجية، بالتعاون مع وزارة الطاقة، توحيد معايير حزم “اتفاقات 123” وإنشاء استثناءات من ضوابط التصدير عند بيع المفاعلات الصغيرة إلى حلفاء مهمين. وبالشراكة مع وزارة الخزانة، تستطيع وزارة الخارجية أيضاً السعي إلى إبرام مزيج من الاتفاقات الثنائية ومتعددة الأطراف المصممة لمساعدة الدول في شراء تقنيات الطاقة الحرارية الأرضية الأميركية بسهولة أكبر، ويمكن أن تحاكي هذه الاتفاقات ترتيبات مماثلة قائمة بالفعل لتصدير الغاز الطبيعي المسال. وقد تنظر واشنطن أيضاً في إنشاء منتدى بديل لـ”اللجنة الدولية لمعايير الطاقة الحرارية الأرضية”، التي تترأسها شركة صينية للنفط والغاز، بهدف توحيد المعايير الدولية بطريقة تخدم مصالح الشركات الأميركية.
وأخيراً، ينبغي للولايات المتحدة أن تقيم شراكات مباشرة مع شركات التكنولوجيا الأميركية متعددة الجنسيات لتعزيز قطاعي الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة النووية لديها. فهذه الشركات تقود جانباً كبيراً من الطلب على الطاقة النظيفة داخل الولايات المتحدة، ولا سيما لتشغيل عمليات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. ومع بنائها مزيداً من مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة وخارجها، ستصبح أكثر قدرة على التأثير في أسواق الطاقة في أماكن أخرى. وتعمل مجموعة من عمالقة التكنولوجيا الأميركية على إنشاء مراكز بيانات بمليارات الدولارات على مستوى العالم، وقد أسهمت عام 2025 بأكثر من خمس الاستثمارات في المجالات الجديدة عالمياً، أي الاستثمارات التي تقام لإنشاء مشاريع جديدة في دولة أجنبية. ولذلك، يجب على الحكومة الأميركية أن تتعاون مع هذه الشركات لدعم قطاع الطاقة النظيفة الأميركي وصياغة سياسة الطاقة العالمية بما يخدم مصالح واشنطن. ويعد مشروع “ستارغيت” (Stargate) نموذجاً يحتذى به. فقد أعلن هذا المشروع المشترك بين شركات أميركية وإماراتية ويابانية في عام 2025، ويخطط للاستثمار بمبلغ 500 مليار دولار في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية على مدى أربع سنوات. ولتحقيق ذلك، كلف مشروع “ستارغيت” شركة التكنولوجيا الأميركية “أوبن إيه آي” (OpenAI) بمهمة التفاوض على اتفاقات لإنشاء مراكز بيانات جديدة وتوفير مصادر طاقة مع الدول الراغبة في تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. ويجمع أول اتفاق دولي ينبثق عن مشروع “ستارغيت” بين إنشاء مجمع ضخم لمراكز البيانات في أبو ظبي، يعمل بالطاقة النووية والشمسية المحليتين، واستثمار إماراتي في مراكز بيانات جديدة في الولايات المتحدة تتمتع بالحجم والقوة نفسهما، ويمكن للاتفاقات المستقبلية أن تشمل أيضاً مزودي الطاقة الأميركيين.
اللاعبون المؤثرون
يشهد نظام الطاقة العالمي تحولاً، ويتعين على الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت ترغب في قيادة هذا التحول. لقد كان النظام السابق يعتمد إلى حد كبير على النفط والغاز الأميركيين، اللذين غذيا الاقتصادات الصناعية. أما اليوم، فقد أصبحت أسواق الطاقة أكثر تنوعاً، وتتمحور بصورة متزايدة حول الطاقة النظيفة. وتسيطر الصين على إمدادات الطاقة المتقطعة، أي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وكذلك على البطاريات، مما يضعها في موقع يؤهلها لأن تصبح القوة العظمى الجديدة في مجال الطاقة. غير أن للطاقة المتقطعة عيوبها، وسيكون العالم في وضع أفضل إذا كانت الطفرة في الذكاء الاصطناعي تعتمد على طاقة نظيفة مستقرة.
وتمتلك الولايات المتحدة كل المقومات اللازمة للسيطرة على هذا القطاع، فشركات النفط والغاز الأميركية تتمتع بالخبرة ورأس المال المادي اللازمين لقيادة الجيل المقبل من الطاقة الحرارية الأرضية. كما تحتضن الولايات المتحدة منظومة ابتكارية أنتجت أكثر مجموعات المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية تنوعاً على مستوى العالم. وعلاوة على ذلك، هي تمتلك شراكات قوية مع دول حليفة يمكنها تنسيق عمليات نشر هذه التقنيات، فضلاً عن مؤسسات تمويل إنمائي قادرة على هيكلة الصفقات واستكمال استثمارات رأس المال الخاص، إلى جانب شركات متعددة الجنسيات ترغب في الحصول على مزيد من الطاقة النظيفة المنتجة محلياً. وبعبارة أخرى، لدى الولايات المتحدة الأدوات اللازمة للهيمنة على قطاع الطاقة، لكن السؤال المطروح هو: هل ستستخدمها؟







