رغد بنت زيد
يُعد الاقتصاد البنفسجي أحد المفاهيم الاقتصادية الحديثة التي برزت في السنوات الأخيرة بوصفه نموذجاً يقوم على دمج الاقتصاد بالثقافة بهدف إضفاء الطابع الإنساني على العولمة وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي ومتطلبات الاستدامة.
ويستند هذا النموذج إلى فكرة أساسية مفادها أن الثقافة ليست عنصراً ثانوياً في العملية الاقتصادية بل ركيزة فاعلة تسهم في توجيه الإنتاج والخدمات وتثمين السلع وفق قيم المجتمع وهويته بما يعزز التنمية المستدامة ويخلق بيئة اقتصادية أكثر تنوعاً ومرونة.
الاقتصاد والثقافة.. شراكة لإعادة تشكيل التنمية
ينطلق الاقتصاد البنفسجي من رؤية تعتبر البعد الثقافي عنصراً محورياً في تطوير الأنشطة الاقتصادية إذ يساهم في بناء نموذج تنموي قادر على تجاوز الأزمات الاقتصادية عبر الاستثمار في الموروث الثقافي وتعزيز الإبداع وتنمية القدرات البشرية.
كما أن هذا النموذج يرتبط بمجموعة من العوامل التي تدعم نموه أبرزها الاستقرار السياسي والاقتصادي وتركيز السياسات على المجتمع ورفع جودة الإنتاج وتشجيع الابتكار الذي يدمج بين الثقافة ومتطلبات السوق إضافة إلى تنمية المواهب في مختلف المجالات.
الجذور الفكرية والنشأة
يرتبط مفهوم الاقتصاد البنفسجي بتطور فكرة المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تستند إلى الميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الأمم المتحدة عام 1966.
وقد ظهر المصطلح لأول مرة في فرنسا عام 2011 من خلال وثيقة نشرتها صحيفة “لوموند” عقب انعقاد منتدى دولي حول الاقتصاد البنفسجي برعاية اليونسكو والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية. وفي عام 2013 صدرت أولى نتائج مجموعة العمل المشتركة التي ناقشت هذا المفهوم بقيادة اليونسكو وعدد من المؤسسات الدولية.
الأعمال والمهن البنفسجية
ضمن هذا الإطار يميز الاقتصاد البنفسجي بين نوعين من الأنشطة:
- الأعمال البنفسجية (Purple Jobs): وهي الأعمال المرتبطة مباشرة بالثقافة مثل تطوير المشاريع الثقافية تحويل المباني التراثية إلى متاحف تنظيم المعارض أو دعم المؤسسات الثقافية التي تسهم في التنمية المجتمعية.
- المهن البنفسجية (Purple Professions): وهي المهن القابلة للتكيف مع السياق الثقافي للمجتمع مثل التسويق والموارد البشرية والاتصال إضافة إلى دعم الصناعات التراثية وإعادة إحيائها بما يخدم الاقتصاد المحلي.
ويعكس ذلك ارتباطاً مباشراً بين الاقتصاد وقيم المجتمع وثقافته حيث تصبح الثقافة عاملاً مؤثراً في توجيه السلوك الاقتصادي وتعزيز التفاعل الإيجابي داخل المجتمع.
ألوان الاقتصاد.. تصنيف متعدد الأبعاد
يقسم الاقتصاد البنفسجي وبعض الاتجاهات الحديثة فروع الاقتصاد إلى ألوان تعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية ومنها:
- الأسود: الاقتصاد الخفي المرتبط بالتهريب والجرائم.
- الأبيض (الرقمي): اقتصاد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
- الأخضر: الاقتصاد البيئي المرتبط بالتنمية المستدامة.
- الأزرق: إعادة استخدام مخلفات الإنتاج والاستهلاك.
- البني: الصناعات الملوثة والأنشطة الضارة بالبيئة.
- الرمادي: الاقتصاد غير الرسمي غير الخاضع للضرائب أو الإحصاءات.
- الأحمر: الاقتصاد المركزي المرتبط بالنظم الاشتراكية.
- الفضي: اقتصاد يرتبط بفئة كبار السن.
ويأتي الاقتصاد البنفسجي ضمن منظومة الاقتصاد المستدام إلى جانب الاقتصاد الأخضر والاجتماعي حيث يركز على البعد الثقافي في التنمية ويمنح قيمة مضافة للسلع والخدمات من خلال ارتباطها بالهوية الثقافية.
الثقافة كعنصر إنتاج اقتصادي
لا يقتصر الاقتصاد البنفسجي على دعم القطاعات الثقافية التقليدية بل يمتد ليشمل مختلف السلع والخدمات عبر إدماج البعد الثقافي في عملية الإنتاج والتسويق.
ويؤكد هذا التوجه أن نجاح أي منتج لا يعتمد فقط على جودته المادية بل أيضاً على مدى توافقه مع ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده وقدرته على تلبية احتياجاته الرمزية والمعنوية.
التحولات العالمية ودور الاقتصاد البنفسجي
شهد العالم خلال العقود الماضية تحولات سياسية واقتصادية وتكنولوجية وثقافية متسارعة أدت إلى تداخل كبير بين هذه المجالات وظهور ما يُعرف بالاقتصاد المعرفي القائم على الإبداع والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق برز الاقتصاد البنفسجي كأحد الفروع الحديثة التي تعكس تطور الفكر الاقتصادي وتؤكد أهمية إدماج الثقافة في مسار التنمية المستدامة باعتبارها قوة ناعمة قادرة على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
شروط نجاح تطبيقه
يرتبط نجاح الاقتصاد البنفسجي بوجود بيئة داعمة تشمل:
- بنية تحتية قوية للأعمال الاجتماعية
- دعم الرعاية الصحية والتعليمية
- تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية
- تقليل القيود الاقتصادية على الإنتاج
- توفير فرص عمل تتناسب مع احتياجات السوق
كما يتطلب تبنياً واضحاً للسياسات التي تعزز الثقافة كمورد اقتصادي وتفتح المجال أمام المشاريع الناشئة للاستفادة من الفرص الثقافية المتاحة.
في المحصلة يمثل الاقتصاد البنفسجي نموذجاً اقتصادياً حديثاً يقوم على دمج الثقافة بالتنمية الاقتصادية ويعكس توجهاً عالمياً نحو جعل الاقتصاد أكثر إنسانية وشمولية.
فهو لا يقتصر على زيادة الإنتاج أو رفع معدلات النمو بل يسعى إلى بناء مجتمعات أكثر توازناً ورفاهية يكون فيها البعد الثقافي قوة دافعة للتنمية المستدامة وعنصراً أساسياً في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.






