حرية
أعلنت وزارة الطاقة السورية رفع كميات المياه الممررة من سد الفرات تدريجياً، بالتزامن مع ارتفاع التدفقات الواردة من الجانب التركي، محذرة سكان محافظتي الرقة ودير الزور من الاقتراب من مجرى النهر أو السباحة فيه.
وأوضحت الوزارة أن المؤسسة العامة لسد الفرات ستزيد كميات المياه الممررة من سد كديران لتصل إلى 900 متر مكعب في الثانية يوم الأحد 23 آب 2026، على أن ترتفع بعد يومين إلى 1000 متر مكعب في الثانية، وتستمر عند هذا المستوى لمدة عشرة أيام، قبل إعادة تقييم الوضع المائي وفق معدلات الوارد ومناسيب البحيرات والمعطيات الفنية والتشغيلية.
المشهد السوري يفتح، بطبيعة الحال، سؤالاً عراقياً لا يمكن تجاهله: ماذا عن الأهوار العراقية؟
فالعراق، الذي يقع في أسفل حوض الفرات، لا يستطيع التعامل مع أي تغيرات في مناسيب وتدفقات النهر بوصفها شأناً سورياً أو تركياً فقط. وكل زيادة في الواردات المائية، مهما كان حجمها أو مدتها، يفترض أن تدخل ضمن حسابات الخزن والتوزيع وإدارة الموارد المائية، خصوصاً في بلد يعاني منذ سنوات من شح المياه وتراجع مناسيب الأنهار وتدهور بيئة الأهوار.
وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى معرفة ما إذا كانت وزارة الموارد المائية العراقية تمتلك خطة تشغيلية واضحة للتعامل مع أي زيادة في واردات الفرات، وما إذا كانت هذه الزيادة ستنعكس على حصة الأهوار، أم أن إدارة المياه ستبقى محكومة بمنطق تصريف المياه عند الحاجة بدلاً من استثمارها في إنعاش المنظومة البيئية والمائية.
الأهوار ليست خزانات طوارئ
السؤال الأهم ليس فقط: كم متر مكعب سيصل إلى العراق؟ بل: أين ستذهب هذه المياه؟
فالأهوار ليست مجرد منخفضات طبيعية يمكن اللجوء إليها لتصريف المياه عند ارتفاع المناسيب، وإنما منظومة بيئية واقتصادية واجتماعية متكاملة، وارتفاع أو انخفاض حصتها المائية ينعكس مباشرة على السكان والثروة الحيوانية والثروة السمكية والتنوع البيولوجي.
لذلك، فإن الحديث المتكرر عن حماية الأهوار والحفاظ على حصتها المائية يجب أن يتحول من نصوص واستراتيجيات إلى برنامج تشغيل فعلي قابل للقياس، يحدد كميات المياه الداخلة إليها ومواعيدها ومصادرها وآليات المحافظة عليها.
كما أن أي إدارة رشيدة للمياه يفترض أن تنظر إلى زيادة الواردات بوصفها فرصة لتعزيز الخزن الاستراتيجي وإنعاش المناطق المتضررة من الجفاف، لا مجرد كمية إضافية ينبغي التخلص منها أو تمريرها وفق الظروف الآنية.
هل تتحول زيادة الواردات إلى فرصة للعراق؟
إذا استمرت زيادة التدفقات القادمة من تركيا وقررت سوريا رفع كميات المياه المارة من سد الفرات، فإن بغداد ستكون أمام فرصة لاختبار فعلي لاستراتيجيتها المائية.
وهنا ينبغي أن تكون الأسئلة واضحة: هل أُعدت خطط لاستقبال الزيادة؟ هل ستخصص نسبة منها للأهوار؟ وهل توجد آلية لمراقبة وصول المياه فعلياً إلى مناطق الأهوار؟
الأهم من ذلك أن تكون القرارات مبنية على حسابات علمية دقيقة، لأن إدارة المياه لا تقوم على ردود الأفعال، وإنما على الموازنة بين الخزن والاستهلاك الزراعي ومياه الشرب والحفاظ على البيئة ومتطلبات الأنهار والأهوار.
وفي بلد مثل العراق، أصبح ملف المياه مرتبطاً بالأمن الغذائي والاقتصادي والبيئي، ولم يعد ترفاً إدارياً يمكن تأجيله.
فإذا كانت المياه ستزداد في أعالي الفرات، فإن السؤال المشروع في العراق هو: هل ستتحول هذه الزيادة إلى حياة جديدة للأهوار، أم ستبقى الأهوار في حسابات بعض الإدارات مجرد منخفضات لدرء الفيضان؟
وكفى الله المؤمنين شر القتال.







