حرية
الأمطار والإطلاقات التركية تنعش الخزين المائي.. والحكومة تراهن على الزراعة لدعم الاقتصاد غير النفطي
أعلنت وزارة الزراعة العراقية تحديد مساحة الخطة الزراعية الصيفية للعام الحالي بمليون و800 ألف دونم، في مؤشر يعكس تحسناً نسبياً بالوضع المائي بعد سنوات من الجفاف الحاد وتراجع الخزين المائي في البلاد.
وأكدت الوزارة وجود توجه حكومي لتوسيع تصدير محاصيل الخضر والمنتجات الزراعية إلى الأسواق الخارجية، بعد تحقيق نتائج إيجابية خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع تحسن مناسيب المياه نتيجة موجات الأمطار الواسعة وزيادة الإطلاقات المائية القادمة من تركيا ضمن حوض نهر دجلة.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإعادة تنشيط القطاع الزراعي العراقي، الذي تعرض خلال السنوات الأخيرة لضغوط غير مسبوقة بسبب الجفاف والتغير المناخي وتراجع الإيرادات المائية، ما أدى إلى تقليص الخطط الزراعية وانخفاض المساحات المزروعة في العديد من المحافظات.
وخلال الأعوام الماضية، واجه العراق أزمة مائية حادة دفعت الحكومة إلى تقنين استخدام المياه وتقليص زراعة عدد من المحاصيل، خاصة تلك التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، وسط انخفاض خطير في مناسيب نهري دجلة والفرات وتراجع الخزين الاستراتيجي في السدود والخزانات المائية.
لكن التحسن الحالي في الوضع المائي أعاد الأمل بإمكانية استعادة جزء من النشاط الزراعي، خصوصاً مع ارتفاع نسب الخزين المائي مقارنة بالمواسم السابقة، الأمر الذي شجع الحكومة على توسيع الخطة الصيفية ودعم مشاريع الإنتاج الزراعي.
ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية تسعى عبر هذا التوسع إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية، أبرزها تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل في المحافظات الزراعية، إضافة إلى تنشيط الاقتصاد غير النفطي في ظل التقلبات المستمرة بأسواق الطاقة العالمية.
كما يعكس التوجه نحو توسيع التصدير محاولة رسمية لتحويل بعض المحاصيل العراقية من مرحلة الاكتفاء المحلي إلى مرحلة المنافسة الإقليمية، خاصة مع تحسن الإنتاج في بعض مواسم الخضر والمحاصيل الزراعية، وهو ما قد يفتح باباً مهماً لزيادة الإيرادات غير النفطية إذا ما تم تطوير منظومات التسويق والخزن والنقل الزراعي.
إلا أن هذا التوسع لا يخلو من تحديات كبيرة، إذ لا تزال البنية التحتية الزراعية في العراق تواجه مشكلات مزمنة تتعلق بضعف شبكات الري، وارتفاع كلف الإنتاج، ونقص التقنيات الحديثة، إضافة إلى المخاوف من عودة أزمة الجفاف في حال انخفاض الإطلاقات المائية أو تراجع معدلات الأمطار خلال المواسم المقبلة.
ويؤكد مختصون أن نجاح الخطة الزراعية الصيفية لن يعتمد فقط على وفرة المياه، بل على قدرة الحكومة في إدارة الموارد المائية بكفاءة، ودعم الفلاحين، ومنع الإغراق السلعي، وتنظيم عمليات الاستيراد بما يحمي المنتج المحلي ويشجع الاستثمار الزراعي.
وفي ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، تبدو الزراعة اليوم واحدة من أبرز القطاعات التي تعوّل عليها الحكومة لتخفيف الضغط عن الاقتصاد النفطي، خاصة مع تزايد الدعوات إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط الخام.
ويعتقد مراقبون أن الموسم الحالي قد يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على استثمار التحسن المائي المؤقت وتحويله إلى فرصة استراتيجية لإعادة بناء القطاع الزراعي، بدلاً من الاكتفاء بالحلول الموسمية المرتبطة بالأمطار والإطلاقات الخارجية.






