حرية
شهدت الساحة الروسية خلال الأيام الماضية موجة جديدة من الهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية استهدفت منشآت مرتبطة بالاقتصاد الحربي، بينها مصافي نفط ومستودعات فحم ومرافق لوجستية وعسكرية، في تطور يعكس اتساع نطاق العمليات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية.
واللافت في الهجمات الأخيرة لم يكن حجمها فقط، بل الحديث عن مشاركة طائرات مسيّرة بريطانية الصنع إلى جانب الطائرات الأوكرانية المحلية. ووفق ما أوردته صحيفة «صنداي تايمز»، شملت الهجمات مسيّرات هجومية من طراز «نيان» تعمل بمحرك نفاث، تنتجها شركة «كالين-لينز»، التابعة لمجموعة «بي إيه إي سيستمز»، واستخدمت لاستهداف مصافي نفط في فولغوغراد وياروسلافل، إلى جانب مسيرة أخرى بريطانية الصنع لم يُكشف عن الجهة المنتجة لها لأسباب أمنية.
هذا التطور دفع السفارة الروسية في لندن إلى إصدار تحذير شديد اللهجة، متوعدة بريطانيا بـ«عواقب وخيمة» في حال استمرار تزويد أوكرانيا بأسلحة هجومية.
خطوط حمراء روسية تتكرر
التهديد الروسي لبريطانيا يأتي في سياق سلسلة طويلة من التحذيرات التي أطلقتها موسكو منذ بداية الحرب، مع انتقال الدعم الغربي لأوكرانيا تدريجياً من الأسلحة الدفاعية إلى منظومات أكثر تطوراً وقدرة على الوصول إلى العمق الروسي.
فقد سبق لموسكو أن حذرت من تسليم دبابات غربية، ثم مقاتلات «أف-16»، وبعدها صواريخ «ستورم شادو» وغيرها من الأسلحة بعيدة المدى. وفي كل مرحلة، اعتبرت روسيا أن الخطوة الغربية تمثل تجاوزاً لخط أحمر، بينما استمرت الدول الداعمة لكييف في توسيع نطاق ونوعية مساعداتها العسكرية.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه التهديدات أضعف تدريجياً تأثيرها الردعي، لكنه لا يعني بالضرورة أن موسكو ستبقى مكتوفة الأيدي أمام اتساع الدعم العسكري الغربي.
الحرب تتجاوز حدود أوكرانيا
الأكثر إثارة للقلق هو أن الصراع لم يعد محصوراً في ساحات القتال داخل أوكرانيا، بل باتت دول أوروبية تتعامل مع مخاطر مرتبطة بما تصفه بأعمال تخريب أو عمليات سرية روسية.
وتشمل المخاوف الأوروبية حوادث استهداف أو تعطيل منشآت وبنى تحتية، والتعامل مع تهديدات مرتبطة بالكابلات البحرية، فضلاً عن حوادث حرائق وانفجارات طالت منشآت يُعتقد أنها مرتبطة بسلاسل الإمداد العسكرية لأوكرانيا.
غير أن نسبة بعض هذه الحوادث إلى روسيا لا تزال في عدد من الحالات موضع تحقيق أو اتهام سياسي وأمني، وليست جميعها مثبتة قضائياً، وهو ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيداً بالنسبة للحكومات الأوروبية.
تكشف الهجمات الأخيرة عن تحول مهم في طبيعة الحرب: العمق الاقتصادي أصبح جزءاً أساسياً من ساحة المعركة.
فاستهداف مصافي النفط والمنشآت اللوجستية لا يهدف فقط إلى إحداث خسائر مادية، بل يسعى إلى التأثير في قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية والحفاظ على سلاسل الإمداد والوقود اللازمة للحرب.
كما أن ظهور مسيّرات غربية الصنع في هذه العمليات، إذا تأكدت تفاصيله، يطرح سؤالاً أكثر حساسية حول الحدود التي يمكن أن يصل إليها الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا. فهناك فرق استراتيجي بين تزويد دولة مقاتلة بأسلحة دفاعية، وبين توفير منظومات يمكن استخدامها لضرب منشآت داخل أراضي الخصم.
لكن التصعيد لا يعني بالضرورة أن مواجهة مباشرة بين روسيا وبريطانيا أصبحت وشيكة. فموسكو تدرك أن استهداف دولة عضو في حلف شمال الأطلسي بصورة مباشرة قد يفتح مساراً شديد الخطورة، فيما تحاول الدول الغربية الحفاظ على مساحة تفصل بين دعم أوكرانيا وبين الدخول المباشر في الحرب.
وفي المقابل، فإن استمرار العمليات السرية والتخريبية داخل أوروبا، إذا ثبت ارتباطها بأطراف النزاع، يعني أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية تتحول تدريجياً إلى صراع متعدد الساحات، لا تقتصر أدواته على الصواريخ والدبابات، بل تشمل المسيّرات، والهجمات السيبرانية، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد والطاقة.
والرسالة الأهم من موجة الهجمات الأخيرة أن «الخطوط الحمراء» التي ترسمها موسكو لم تعد كافية وحدها لوقف تطور الدعم الغربي لأوكرانيا، لكن تجاوزها المتكرر يرفع في المقابل مستوى المخاطر، ويجعل أي حادث جديد أكثر قابلية للتحول من حرب بالوكالة إلى مواجهة أوسع بين روسيا والغرب.







