حرية | الاثنين 30 آذار 2026
جورج عيسى
“كلما اقتربت إمبراطورية من الانهيار، ازداد سلوكها جنوناً”.
قد لا يكون هذا القول منسوباً فعلاً إلى ماركوس شيشرون، لكن الفكرة التي يحملها تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى نظرية سياسية غير رسمية تُستخدم لتفسير سلوك الدول عندما تشعر أن نهايتها تقترب.
هذا المفهوم أعاد طرحه المسؤول السابق عن اللوجستيات الدفاعية في البنتاغون ترينت تيلينكو، عبر ما سمّاه “بروتوكول نهاية النظام”، وهو يراقب سلوك إيران خلال الحرب الحالية. ويشير المفهوم إلى أن الأنظمة التي تشعر بأن سقوطها قد يكون حتمياً، تميل إلى اتخاذ قرارات أكثر خطورة وعشوائية، ليس فقط للدفاع عن نفسها، بل أحياناً لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بخصومها قبل السقوط.
“مرسوم نيرون”.. عندما يدمّر النظام بلده
في تفسيره، شبّه تيلينكو سلوك الأنظمة المحتضرة بما فعلته ألمانيا النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أصدر أدولف هتلر ما عُرف لاحقاً باسم مرسوم نيرون عام 1945، والذي أمر فيه بتدمير البنية التحتية الألمانية حتى لا يستفيد منها الحلفاء بعد الهزيمة.
لاحقاً، اعتبر بعض المؤرخين أن هتلر لم يكن يريد فقط حرمان الأعداء من الموارد، بل معاقبة الشعب الألماني نفسه لأنه – بحسب نظرته – “فشل” في الحرب. ومن هنا وُلد مفهوم أن الأنظمة عندما تصل إلى مرحلة اليأس قد تتحول من الدفاع عن الدولة إلى تدميرها.
الحرب التي قد تكون حُسمت قبل أن تبدأ
بحسب تيلينكو، فإن سلوك إيران في الحرب – خصوصاً توسيع دائرة الاستهداف لتشمل دول الخليج وتهديد منشآت حيوية مثل محطات تحلية المياه – قد يُفسَّر ضمن هذا الإطار: أي أن النظام لا يفكر كثيراً بمرحلة ما بعد الحرب، بل يركز على خوض معركة وجود.
لكن هذا الطرح لا يحظى بإجماع. ففي مجلة فورين أفيرز، ترى الباحثة في جامعة جونز هوبكنز نرجس باجوغلي أن إيران استعدت لهذه المواجهة منذ أربعة عقود، وأن ما يحدث اليوم ليس سلوكاً عشوائياً، بل نتيجة استراتيجية طويلة بدأت منذ الحرب العراقية – الإيرانية.
القمع الداخلي كمؤشر ضعف
من زاوية أخرى، يرى المؤرخ الأميركي تيموثي سنايدر أن الأنظمة التي تلجأ إلى قتل المتظاهرين بأعداد كبيرة غالباً ما تكون تعاني من ضعف بنيوي، لا من قوة. ويستشهد كثيرون بالاحتجاجات الإيرانية في السنوات الأخيرة، التي قُتل فيها مئات وربما آلاف المتظاهرين، كمؤشر على أزمة داخلية عميقة.
وبحسب هذا التحليل، فإن الخطر الحقيقي على الأنظمة لا يكون دائماً من الخارج، بل من الداخل: الاقتصاد، التضخم، فقدان الشرعية، والانقسامات داخل مؤسسات الدولة نفسها.
هامش ضيق بين البقاء والسقوط
ربما لا يمكن الجزم بأن أي نظام يقترب من نهايته، لكن التاريخ يُظهر أن أخطر المراحل هي تلك التي تشعر فيها الأنظمة بأنها مهددة وجودياً، لكنها لم تسقط بعد. في هذه المرحلة تحديداً، تصبح القرارات أكثر اندفاعاً، والحروب أكثر اتساعاً، والمخاطر أكبر على الجميع.
في هذا السياق، يراهن بعض المحللين على أن تغيرات داخل السياسة الأميركية – خاصة مواقف شخصيات مثل جيه دي فانس المشككة في الحروب الخارجية – قد تمنح طهران فرصة تفاوض أو “هدية سياسية” تخفف الضغط عنها. لكن حتى لو حدث ذلك، فإن مشكلات الداخل الإيراني ستبقى قائمة.
الخلاصة أن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيربح الحرب؟
بل: ماذا سيحدث بعد الحرب؟
لأن التاريخ يثبت أن الحروب قد تنتهي، لكن الأنظمة التي تدخلها وهي ضعيفة من الداخل، نادراً ما تخرج منها كما كانت.







